محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٧٩

هذا فضلا عمَّا في القرآن الكريم من أوجه متعدِّدة للإعجاز، تدلُّ دلالة قاطعة على صدوره من قِبل الله عزَّ وجلَّ، أنزله على بشر صادق أمين، وتبليغه بدقة وأمانة.

- النبوة والرسالة بين الاضطرار والاكتساب:

ناقش بعض علماء الإِبَاضِيَّة هَذِهِ القَضِيَّة، فقال الشيخ الجيطالي: «واختلفوا في النبوءة والرسالة، فقيل: هما اضطرار، وَقِيلَ: هما اكتساب، وَقِيلَ: النبوءة اضطرار، والرسالة اكتساب»(1). قال المحشِّي معلقا عَلَى هَذَا الكلام: «في السؤالات: واختلف الناس في النبوءة والرسالة، فقيل: هما اضطرار، وهما قد حلَّتا في الأنبياء والرسل كحلول الاستطاعة في المستطيع، والزمانة في الزَّمِن. وَقِيلَ: النبوءة اضطرار والرسالة اكتساب، وَقِيلَ: النبوءة والرسالة اكتساب … [وبعد أن يذكر أصحاب تلك الأقوال يأتي بقول أبي يحيى زكرياء بن أبي بكر] قال: إِنَّ الرسالة تتصرَّف في اللغة عَلَى وجهين: عَلَى معنى الإرسال من الله عَزَّ وَجَلَّ، والثاني عَلَى معنى التبليغ من الرسل، فمن قال: إِنَّ الرسالة اضطرار ذهب بالرسالة إِلىَ الإرسال من الله عَزَّ وَجَلَّ للرسل، ومن قال: الرسالة اكتساب ذهب بمعنى الرسالة إِلىَ التبليغ من الرسل، ثُمَّ قال الشيخ أبو عَمَّار [عبد الكافي]: هَذَا أحسن ما سمعناه في هَذَا الوجه»(2).

وفي النهاية يبدو أَنَّ مناقشة هَذِهِ القَضِيَّة لا ثمرة من ورائها.

- الرسالة بين العموم والخصوص:

لا شكَّ مطلقا في عموم رسالة سيدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم للثقلين (الإنس والجنِّ)، ممن عاصره أو جاء بعده؛ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 107)، وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سورة سبأ: 28)، وقال: ﴿قُلْ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (سورة الأعراف: 158)، وقال: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ﴾ (سورة الأحزاب: 40).

وأما غير محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ففي عموم رسالتهم قولان:

القول الأَوَّل: من العلماء(3) من يرى أَنَّ هناك عِدَّة رسل أرسلوا إِلىَ عَامَّة الإِنس وَالجِنِّ، وهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وعيسى ومحمَّد عَلَيْهِم السلام، واستدلوا بِقَولِهِ تَعَالىَ في شأن نوح - عليه السلام -: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (نوح: 26)، وعلَّق المحشي عَلَى دعوى عموم رسالة سَيِّدنَا إبراهيم قائلا: «انظر كيف يتخرَّج كون إبراهيم - عليه السلام - من أهل الكافة مع بعثة لوط - عليه السلام - في زمانه؟»(4).

القول الثاني: ذهب قوم إِلىَ أَنَّ عموم الرسالة خاصٌّ بسيدنا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وتمسَّكوا بظاهر قوله - عليه السلام -: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ … »(5).

(1) الجيطالي: قواعد، 1/ 80.

(2) حاشية أبي سِتَّة عَلَى القواعد، المصدر نفسه.

(3) انظر: الجيطالي: قواعد، 1/ 82 - 83.

(4) المصدر نفسه، 1/ 83.

(5) بَقِيَّة الحديث هو قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ». مسلم: كِتَاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم 521. ولفظ النسائي أصرح في أَنَّهُ أرسل إِلىَ الكافة، إذ جاء فيه: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً». النسائي: كِتَاب الغسل والتيمم، باب التيمم بالصعيد، حديث 432. ورواه غيرهما بألفاظ مختلفة.

٨٠ / ١٥٥