محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٨٢

2 - الصدق هو: مطابقة الخبر لِمَا في نفس الأمر، سواء أطابق اعتقاد المخبِر أم خالفه(1)؛ فإذا قال الأشعريُّ مثلا: إِنَّ الله لا يُري يوم القيامة كان صادقا، وإن كان قوله هَذَا مخالفا لاعتقاده. وصدق الرسل ضروريٌّ ليحصل الوثوق بما يخبرون به عن الله من أحكام الشريعة ومن وعده ووعيده …

والدليل عَلَى وجوب صدق الرسل: هو معجزاتهم، إذ المعجزة تصديق من الله للرسول، إذ هي بمثابة قوله تَعَالىَ: «صدق عبدي في كُلِّ ما يبلِّغ عَنِّي»، وتصديق الكاذب كَذِبٌ، وهو مستحيل في حقِّ الله تَعَالىَ(2).

3 - الأمانة: «هي حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبُّس بمنهيٍّ عنه، ولو نَهْيَ كراهة، أَو خلاف الأولى؛ فهم محفوظون ظاهرا من الزنى وشرب الخمر والكذب وغير ذَلِكَ من منهيَّات الظاهر، ومحفوظون باطنا من الحسد والكِبر والرياء، وغير ذَلِكَ من منهيَّات الباطن. ولا يقع منهم مكروه ولا خلاف الأولى عَلَى وجه كونه مكروها أو خلاف الأولى، وإذا وقع صورة ذَلِكَ فهو للتشريع»(3).

وَدَلِيل وجوب الأمانة أَنَّهُم لو خانوا وفعلوا شَيْئًا من ذَلِكَ لكنَّا مأمورين به، لأَنَّا مأمورون باتِّباعهم في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، وَالله تَعَالىَ لا يأمر بمحرَّم ولا مكروه ولا خلاف الأولى(4).

4 - الضبط: «هو حفظ الشَّيْء بجزم، وهو في الاصطلاح: سماع الكلام كما يحقُّ سماعه، ثُمَّ فهم معناه الذي أريد به، ثُمَّ حفظه ببذل مجهوده، والثبات عَلَيْهِ بمذاكراته إِلىَ حين أدائه إِلىَ غيره»(5)، فالواجب في حقِّ الرسل أن يكونوا حافظين لِمَا أُلقي إِلَيْهِم من الوحي من غير نسيان أو تهاون، والتهاون بما أمر الله بتبليغه كبيرة، وهم معصومون، كما سيأتي في أَدِلَّة العصمة(6).

5 - التبليغ: «هو إيصال ما أمروا بإيصاله، ولو أَدَّى ذَلِكَ إِلىَ هلاكهم، خلافا للشيعة القائلين بجواز ترك التبليغ، وإظهار الكفر من الأنبياء للتقيَّة إذا خافوا الهلاك. قلنا: لو جاز في حقِّهم ذَلِكَ للزم إبطال الدعوة أصلا؛ لكثرة المخالفين لهم في مبدأ أمرهم، والقاصدين لهم بالسوء، حَتَّى إِنَّ منهم من ألقي في النار، ومنهم من نُشر بالمنشار»(7).

والدليل عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِهِ﴾ (المائدة: 67)(8).

ولو جاز في حقِّهم كتمان شَيْء مِمَّا أمروا بتبليغه «لكنَّا مأمورين بكتمان العلم، لأَنَّ الله تَعَالىَ أمرنا بالاقتداء بهم، واللازم باطل، لأَنَّ كاتم العلم ملعون»(9)، ولو جاز عَلَيْهِم كتمان شَيْء لكتم الرَّسُول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم الآيات التي فيها تأنيبه، كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ (الأحزاب: 37)(10).

6 - الفطانة: «هي التفطُّن والتيقُّظ لإلزام الخصوم، وإبطال دعاويهم الباطلة». والدليل عَلَى فطانتهم ما ورد في القرآن حكاية عن جدال الرسل مع أقوامهم، كَقَولِهِ تَعَالىَ عن إبراهيم - عليه السلام -: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ (الأنعام: 83)، وقولِهِ عَلَى لسان قوم نوح: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ (هود: 32)، وأَمْرِ الله تَعَالىَ للرسول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125)، ومن لم يكن فطنا لا تمكنه إقامة الحجَّة(11).

(1) انظر: السنوسي: العقيدة الصغرى، ص3. صغرى الصغرى، ص8 - 9. نقلا عن جمال الدين بوقلي حسن: الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد، الْمُؤَسَّسَة الوطنيَّة لِلكِتَابِ، 1985، ص308 - 309.

(2) السالمي: مشارق، 220.

(3) السالمي: مشارق، 221.

(4) انظر: السالمي: مشارق، 221.

(5) السالمي: مشارق، 222.

(6) انظر: السالمي: مشارق، 222 - 223.

(7) السالمي: مشارق، 220.

(8) انظر: وزارة الأوقاف: الموسوعة الفِقْهِيَّة، 22/ 209 - 210. (برنامج جامع الفقه).

(9) السالمي: مشارق، 220 - 221.

(10) السالمي: مشارق، 221.

(11) انظر: السالمي: مشارق، 221.

٨٣ / ١٥٥