محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٨٣

7 - السلامة من منفِّر بدنيٍّ: أضاف القطب اطفيَّش هَذِهِ الصفة، وقيَّدها بما قبل البعثة(1)؛ لأَنَّ «المنفِّر الخَلقيَّ يشغل الناس عن اتِّبَاع الرسول وعن تصديقه، ويدفعهم إلى السخرية منه والاشتغال بالبحث عن عيوبه»، وَأَمَّا بعد البعثة فيمكن أن يصاب بضرر في جسده، كما هو الحال مع يعقوب - عليه السلام - الذي فقد بصره بعد نبوَّته، وبعد تبليغه الدعوة للناس، أو كأيوب - عليه السلام -، الذي قَالَ الله تَعَالىَ فيه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء: 83)(2).

الصفات المستحيلة في حقِّ الرسل:

الصفات المستحيلة في حقِّ الرسل هي أضداد صفاتهم الواجبة، كالكذب والجنون، والعته، وارتكاب المعاصي، وَأَدِلَّتها هي نفس أَدِلَّة الصفات الواجبة. ولو وجدت إحدى الصفات غير الجائزة المذكورة للزم نفرة الناس عنهم، ولاَنْحطُّوا عن رتبة الاصطفاء التي حباهم الله بها، ولكنَّا مأمورين باتِّباعهم في تلك الصفات، وهو باطل قطعا(3).

الصفات الجائزة في حقِّ الرسل:

ما عدا الواجب والمستحيل في حقِّ الرسل فَإِنَّهُ جائز، وَذَلِكَ «كالأكل والشرب والنوم والجماع ومخالطة الناس والمشي في الأسواق، ونحو ذَلِكَ من الخصال الجِبِلِّية التي خلقوا محتاجين إِلَيْهَا، لا يستطيعون منع أنفسهم عنها، والتي خيِّروا في فعلها وتركها … ».

ويستثنى من ذَلِكَ ما يُستقبح فعله للأنبياء، كالبول قياما، فقد رَوَى فيه غيرُ الإِبَاضِيَّة حديثا، قال السالمي: «وهو باطل، لقوله تَعَالىَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، وَإِنَّ البائل قائما ليس عَلَى خلق حسن، فضلا من أن يكون عَلَى خلق عظيم»(4).

- عصمة الأنبياء والرسل:

تتفرَّع مسألة عصمة الأنبياء عن الصفات الواجبة في حقِّهم، وقد كانت مثار جدل في الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، نظرا لورود بعض النصوص المشيرة إِلىَ صدور بعض الذنوب منهم، لِذَلِكَ فقد آثرنا إيرادها كقضيَّة مستقلة عن سائر صفات الأنبياء.

تعريف عصمة الأنبياء:

عرِّفت عصمة الأنبياء - عند الإِبَاضِيَّة والأشاعرة - بِأَنَّهَا: «أن لا يخلق الله فيهم ذنبا»(5)، وهي «عند الحكماء: ملكةٌ تمنع عن الفجور، وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي والاعتراض على ما يصدر عنهم من الصغائر وترك الأولى، فإنَّ الصفات النفسانية تكون أحوالا ثمَّ تصير ملكات بالتدريج»(6). وزعم قوم أَنَّهَا خاصية ذَاتِيَّة تمنعهم عن فعل الذنوب، ورُدَّ عَلَيْهِم بالإجماع على أَنَّ الأنبياء مكلفون بترك الذنوب ومثابون عَلَيْهِ، ولو كان الأمر كذلك لما استحقوا المدح والثواب(7).

(1) انظر: اطفيَّش: الهميان، 8ق 1/ 268. الذهب الخالص، 19. نقلا عن وينتن، ص229.

(2) انظر: وينتن: آراء، 229.

(3) انظر: السالمي: مشارق، 224.

(4) السالمي: مشارق، ص227.

(5) الإيجي: المواقف، 3/ 448. وهو التعريف الذي اعتمده القطب أَيضًا، انظر: اطفيَّش: حاشية القناطر: 2/ 77و. نقلا عن وينتن، ص231.

(6) الإيجي: المصدر نفسه.

(7) ينظر: الإيجي: المواقف، 3/ 449.

٨٤ / ١٥٥