أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٨٧وَلَكِنَّ الملاحظ أَنَّ بعض العلماء بالغوا في تفضيله صلَّى الله عليه وسلَّم، حَتَّى انساقوا وراء بعض الآثار الموضوعة، تشير إِلىَ أَنَّ الرسول محَمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم خُلق قبل آدم، بل قبل سائر الخلق، وَأَنَّ الكون لم يُخلق إِلاَّ لأجله، ومن نوره وأنفاسه خلقت سائر المخلوقات … وهي أوصاف غريبة يسوقها أحيانا أصحاب المدائح، وكأنما تفضيله لا يكون إِلاَّ بِهَذِهِ الصفات مع ظهور بطلانها(1).
بقي أن نشير إِلىَ نصوص أخرى يفيد ظاهرها منع تفضيله صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى الأنبياء الآخرين، منها:
1 - قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: « … لا تخيروني على موسى … »(2).
2 - قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: « … ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى»(3).
وقد حاول العلماء التوفيق بين النصوص التي تثبت أفضلية سيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وبين هذين الحديثين وما شابههما، فقالوا:
- يحتمل أَنَّهما وردا قبل أن يعلم - عليه السلام - أَنَّهُ أفضل منهم.
- أنَّ النهي ينصرف إِلىَ قصد الانتقاص من مكانة المفضول، كما ورد في قِصَّة الحديث الأَوَّل، والذي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جاء في سياق خصام بين مسلم ويهوديٍّ، وكان التفضيل ناشئا عن عصبية وحمية(4).
ب - ترتيب التفاضل بين سائر الأنبياء غير النَّبِيء محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -:
اختلفت الأُمَّة في تحديد تفضيل سائر الأنبياء بعضهم عَلَى بعض، وقد اعتمد الشيخ السالمي هَذَا الترتيب فقال:
أفضلهم نبيُّنا ثُمَّ الخليل ثُمَّ الكليم بعده عيسى الجليل
وبعدهم نوح فباقي الرسل فالأنبياء ذوو المقام الأكمل
وَاستُدِلَّ عَلَى أفضلية إبراهيم - عليه السلام - بعد نبينا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم بِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ يَّرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فيِ الاَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (البقرة: 130)، وبقوله مخاطبا الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (النحل: 123).
وَعَلَى أفضلية موسى - عليه السلام - باصطفائه بالتكليم، قَالَ تَعَالىَ لموسى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي﴾ (الأعراف: 144)، وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِيَ﴾ (طه: 41).
وَعَلَى أفضلية عيسى - عليه السلام -، بِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَآ إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ (النساء: 171).
ثُمَّ نوح - عليه السلام -، لأَنَّهُ ذُكر من أولي العزم من الرسل والذين جمعهم الناظم حسب الترتيب الزمني في قوله:
أولو العزم نوح والخليل كلاهما وموسى وعيسى والنبي محَمَّد
وعلَّق الشيخ السالمي بقوله: «وأنت إذا تأملت هَذِهِ الأَدِلَّة رأيتها ظَنِّيَّة، والاعتقاد علم لا يُبنى عَلَى الظنِّ، فلا يجب اعتقاد هَذِهِ المفاضلة كَذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لم يعتن أصحابنا المشارقة بذكر هَذِهِ المفاضلة في كتبهم لأَنَّهَا موقوفة عَلَى السماع من الشارع، ولم يَرِد فيها تصريحُ خبرٍ. ولو قدَّرنا فيها وجود ذَلِكَ لقلنا: خبر آحاد لا يثبت به الاعتقاد، ولو تواتر لاشتُهر»(5). وقد
(1) عمر سليمان الأشقر: الرسل والرسالات، 184 - 185، 218. نقلا عن وينتن: آراء، ص243.
(2) رواه البخاري في حديث طويل، وبقيَّته: « … لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش جانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله» البخاري: كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهودي، رقم 2280 ج2/ص849.
(3) رواه البخاري، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يونس لمن المرسلين﴾، حديث 3233، ج3/ص1254.
(4) ينظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 169 - 170. اطفيَّش: شرح لامية الأفعال: 1/ 106؛ شرح النيل: 16/ 61؛ وفاء الضمانة: 6/ 186. نقلا عن وينتن، ص246. السالمي: مشارق: 228.
(5) السالمي: مشارق، ص229.