أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٨٨قال السالمي أَيضًا في بداية حديثه عن تفاضل الأنبياء: «وهو مقصور عَلَى السماع، أي ليس لأحد أن يدخل هَذَا الباب باجتهاد منه، لأَنَّا لسنا أهلا للحكم في ذَلِكَ»(1). وَهَذَا الكلام يعتبر قاعدة جليلة، ينبغي أن تُعتمد في كثير من قضايا العقيدة، والتي كانت ولا تزال مثار جدل بين المسلمين.
عَلَى أَنَّ العلماء حين ذكروا هَذِهِ التفرقة بين أولي العزم وغيرهم، اعتمدوا عَلَى قَوله تَعَالىَ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: 35)، واعتبروا أَنَّ لفظ} مِن} في الآية للتبعيض؛ بينما يرى الزمخشري: إِنَّ} مِنْ} في الآية للبيان، وَعَلَيْهِ فالعزم صفة للرسل كُلِّهم، ويبدو أَنَّ هَذَا الرأي أرجح، لِمَا في الرأي الأَوَّل من التفرقة بين الرسل، أي إِنَّ بعضا منهم من أولي العزم، وآخرون ليسوا كَذَلِكَ، مع أَنَّ أمر التفضيل يرجع إِلىَ الله وحده(2)، إذ نلاحظ أَنَّهُ ينسب التفضيل إِلَيْهِ، وينسب عدم التفريق بينهم إِلىَ المؤمنين، وَهَذَا الرأي هو ما انتهى إِلَيْهِ الشيخ اطفيَّش حين قال: «فنعلم أنَّهم متفاوتون في الفضل، ولا نصرِّح بتفضيل فلان على فلان؛ لأَنَّ الله جَلَّ وَعَلاَ أثبت التفضيل بينهم إجمالا»(3). هَذَا فضلا عَمَّا مَرَّ من قوله - عليه السلام -: « … لا تخيروني على موسى … »، وقوله: « … ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متَّى»(4).
******************************
المبحث الثالث
المعجزات
مِمَّا يجب عَلَى المسلم اعتقاده أَنَّ الله تَعَالىَ قد أيَّد أنبياءه ورسله بمعجزات تُبَيِّنُ صدق دعوتهم، وَأَنَّهم موحى إليهم ومؤيَّدون من عند الله، قال رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما من الأنبياء نبيٌّ إِلاَّ أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وَإِنَّمَا كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»(5).
تعريف المعجزة لغة:
لفظ المعجزة مأخوذة من العجز، وهو مقابل القدرة(6).
تعريف المعجزة اصطلاحا:
هي أمر أوجده الله عَزَّ وَجَلَّ خارقا للعادة، عَلَى يد مدَّعي النبوة، موافقة لدعواه، عَلَى سبيل التحدِّي، مع عدم المعارضة(7).
تحليلُ التعريف الاصطلاحي للمعجزة وشروطُها:
من خلال تحليل التعريف الاصطلاحي للمعجزة تَتَبَيَّنُ لنا شروطها، والتي تميزها عن غيرها من الكرامة والاستدراج والإهانة:
(1) السالمي: مشارق، ص227.
(2) ينظر: الزمخشري: الكشَّاف، 5/ 259. القاضي عبد الجَبَّار: تنزيه القرآن، 324. نقلا عن وينتن: آراء، ص247.
(3) القطب اطفيَّش: الهميان: 3/ 43. نقلا عن وينتن: آراء، ص248.
(4) تَقَدَّمَ تخريجهما.
(5) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزول الوحي وَأَوَّلُ ما نزل، رقم 4696، ج4/ص1905.
(6) السالمي: مشارق، 217. وانظر: الجويني: الإرشاد، ص178. نقلا عن بوقلي، ص315. إِلاَّ أَنَّ الجويني يرى أَنَّ الله هو الذي سلب من المتحدَّيْنَ القدرة عَلَى المعارضة، وهو ما يُسَمَّى بالصرفة، أي أَنَّ الله صرفهم عن التحدي؛ ولكن من العلماء من ناقشه في ذَلِكَ وردَّ عَلَيْهِ.
(7) انظر: السالمي: مشارق، ص217. بوقلي، ص310، 313. وينظر تعريف آخر للشيخ اطفيَّش وتحليله: وينتن: آراء، ص250 - 252.