أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٨٩- لفظة «أمر» أشمل من لفظة} فعل} التي استعملها بعض الْمُتَكَلِّمِينَ(1)، لأَنَّ الأمر أعمُّ من أن يكون فعلا، فقد يكون فعلا(2) كتلقُّف عصا موسى لِمَا ألقاه السحرة، أو تركا، كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم - عليه السلام -، أو قولا كمعجزة القرآن البلاغية وَالغَيْبِيَّة(3) …
- «خارقا للعادة»: خرج بِذَلِكَ ما كان معتادا، كما إذا قال: آية صِدقي طلوع الشمس من حيث تطلع(4)، ويتضح من هَذَا القيد أَنَّهَا «إِنَّمَا تخالف العادة والمألوف، ولا تخالف العقل والإمكان»(5)، فالمعجزة ليست مستحيلة عقلا، لأَنَّ استمرار الظواهر الطبيعيَّة عَلَى نسقها المعتاد ليس مِمَّا يفرضه العقل فرضا ـ أي لا يَصِحُّ عقلا نقضه ـ وإِنَّمَا تكوَّن بفعل الأسباب التي خلقها الله، والتعجُّب من المعجزة إِنَّمَا هو بسبب غرابتها عن المألوف(6).
- «عَلَى يد مدَّعي النبوَّة»: خرج من هَذَا التقييد ما إذا اتَّخَذَ «كاذبٌ معجزةَ أحدِ الأنبياء حجَّةً لنفسه»(7)، وخرجت الكرامة التي تظهر عَلَى بعض الصالحين تخليصا لهم. وخرج كَذَلِكَ الاستدراج، وهو ما يظهر عَلَى يد فاسق، وخرجت به الإهانة، «وهي ما يظهر عَلَى يده تكذيبا له، كما وقع لمسيلمة الكذاب، فَإِنَّهُ تفل في عين أعور لتبرأ، فعميت الصحيحة»(8).
- «موافقة لدعواه»: كما إذا قال: آية صدقي: انفلاق البحر، فانفلق الجبل … أو قال: آية صدقي نطق هَذَا الجماد، فنطق أَنَّهُ مفتر كذَّاب(9). ويستحيل أن تظهر المعجزة عَلَى يد الكاذب ووفق دعواه، «لأَنَّهَا لو ظهرت لدلَّت عَلَى صدقه، وتصديق الكاذب مستحيل في مقتضيات العقول»(10).
- «عَلَى سبيل التحدِّي»: تمييزًا للمعجزة عن الكرامات للأولياء، وعن الإرهاصات التي تَتَقَدَّمُ بعثة الأنبياء، كإظلال الغمام للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم قبل البعثة، فهي أمور ليست للتحدِّي.
- «مع عدم المعارضة»: تمييزا لها عن السحر؛ لأَنَّهُ خفَّة في اليد ولا حقيقة له في الواقع، وكذا الشعوذة، إذ يمكن معارضتهما(11).
والقرآن الكريم يستعمل ألفاظا أخرى للمعجزة، وهي: البَيِّنَة والآية والبرهان(12)، فقد سَمَّى الله تَعَالىَ معجزات موسى - عليه السلام - آياتٍ في قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِئَايَاتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ (الأعراف: 103)، وَسَمَّاها بَيِّنَات إذ قال: ﴿قَالُواْ لَن نُّوثِرِكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالذِي فَطَرَنَا﴾ (طه: 72)، وَسَمَّاها برهانا في قوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمِ اِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهَبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ (القصص: 32)(13).
(1) انظر: الجويني: الإرشاد، ص179. نقلا عن بوقلي، ص315.
(2) مثَّل السالمي للفعل بنبع الماء من أصابع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، إِلاَّ أَنَّ الشيخ بيوض يرى أَنَّ ما كان من هَذَا القبيل فهو كرامات للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وَأَمَّا معجزته فهي القرآن الكريم، لا غير، لأَنَّهُ لم يتحدَّ بها الكفرة، وَإِنَّمَا تحداهم بالقرآن. ينظر: في رحاب القرآن، 9/ 222 - 223.
(3) ينظر: السالمي: مشارق، ص217.
(4) انظر: السالمي: مشارق، ص217.
(5) البوطي: كبرى اليقينيات، ص214.
(6) البوطي: كبرى اليقينيات، ص214.
(7) السنوسي: شرح العقيدة الوسطى، ص235. نقلا عن بوقلي، ص315.
(8) السالمي: مشارق، ص217.
(9) ينظر: السالمي: مشارق، ص217.
(10) الجويني: الإرشاد، 189 - 190. نقلا عن بوقلي، ص311.
(11) السنوسي: شرح العقيدة الوسطى، ص235. نقلا عن بوقلي، ص315. السالمي: مشارق، ص218.
(12) ينظر: القطب اطفيَّش: الهميان، 6ق 2/ 190 - 191؛ شرح نونية المديح، 101و-ظ. نقلا عن وينتن، ص251.
(13) وقال تَعَالىَ في شأن معجزات عيسى - عليه السلام -: ﴿قَالَ عِيسَى اَبْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَينَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِّنكَ﴾ (المائدة: 114)، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً﴾ (المؤمنون: 50)، وقال: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمُ إِنِّيَ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَآئِرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الاَكْمَهَ وَالاَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَاكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فيِ بُيُوتِكُمُ إِنَّ فيِ ذَلِكَ ءَلاَيَةً لَّكُمُ إِن كُنتُم مُّومِنِينَ﴾ (آل عمران: 49). وقال في شأن ناقة صالح: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمُ ءَايَةً﴾ (الأعراف: 73).