محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٩٠

الفرق بين الكرامة والمعجزة:

المعجزة … الكرامة

مقرونة بالتحدي … ليست للتحدي

سُبقت بدعوى النبوة … لم تُسبق بدعوى النبوة

تظهر عَلَى يد مدَّعي النبوَّة … قد تظهر عَلَى يد غير مدَّعي النبوَّة، وقد تفع بمحضر صاحب الكرامة لا عَلَى يديه

تكون ظاهرة وعلنيَّة … غالبا ما تكون خفيَّةً وَخَاصَّةً بمن ظهرت عَلَى يديه

أَهَمِّيَّة المعجزات وطبيعتها:

إِنَّ المعجزة هي بمثابة قول الله تَعَالىَ للناس: «صدق عبدي في كُلِّ ما يبلِّغ عَنِّي»(1). ويعطي العلماء مثالا حسِّيًّا لدلالة تصديق المعجزة لمن جاءت عَلَى يده، وهو كأن يدخل رجل عَلَى جماعة في مجلس ملِك، فيأخذ الكلمة ويقول: إني رسول الملك إليكم، وعندما يناقَش في الأمر ويطالب بِالحُجَّةِ والدليل يقول: الدَّلِيل هو أن يخالف الملك الذي أرسلني إليكم عادته، فيقوم الملك ويقعد عِدَّة مَرَّات مثلا، مخالفا بِذَلِكَ عادته، فتتحقَّق حجَّة المرسول بهذا التَّصَرُّف غير العادي وغير المألوف من الملك، فتفهم الجماعة أَنَّ الملك صدَّق الرجلَ في دعواه(2).

ولأجل أن يقيم الله تَعَالىَ الحجَّة عَلَى الناس، فَإِنَّهُ لم يرسل رسولا إِلاَّ وأيده بمعجزة تَدُلُّ عَلَى صدقه(3)، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدَ اَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً اِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (الروم: 47)، ﴿لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25).

قد تكون المعجزات من جنس ما برع فيه قوم الرسول الذين بعث فيهم، حَتَّى تكون أَشَدَّ تأثيرا في الناس، وأبلغ في الإقناع. فكانت معجزة عيسى - عليه السلام - أعلى من الطبِّ الذي بلغ درجة عالية في قومه، وقد تحدى موسى - عليه السلام - بعصاه السحر المنتشر في قومه بمصر، وجاء القرآن عَلَى يد سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم في ذروة البلاغة التي كان يتبارى فيها العرب شعرا ونثرا في شبه الجزيرة العَرَبِيَّة.

وقد تكون المعجزة أحيانا لِمُجَرَّدِ إثبات البرهان عَلَى النبوة ابتداء، كبرودة النار لإبراهيم - عليه السلام -، ومعجزة الإسراء والمعراج لسيدنا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم(4).

المعجزة في ميزان العلم(5):

إذا كان يقصد بالعلم معناه الخاص، والذي يُعنَى بالبحث المتخصص في الظواهر الطبيعيَّة، فَإِنَّ علماء هَذَا الاتجاه لا يمكنهم التدخل في الحديث عن المعجزات، لأَنَّهَا خارجة عن نطاق بحثهم، فهم لا يَهْتَمُّون بغير الظواهر الخَارِجِيَّة الْمَادِّيَّة المحسوسة، والتي تخضع للمنهج التجريبي. لذا فلا تصوُّر لهم للمسألة، والحكم عَلَى الشَّيْء فرع عن تصوُّره.

(1) السنوسي: عقيدة أهل التوحيد، ص185. نقلا عن بوقلي، ص311. السالمي: مشارق، ص217.

(2) الجويني: الإرشاد، ص45، 188 - 189. الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص89. نقلا عن بوقلي: ص314.

(3) رَدَّ الشيخ اطفيَّش عَلَى الإيجي الذي نسب إِلىَ الإِبَاضِيَّة القول بإمكانية بعث رسل بلا معجزات. ينظر: الإيجي: المواقف، 425. القطب اطفيَّش: شرح لامية ابن النضر، 2/ 554؛ الهميان، 6ق 2/ 171. وينتن: آراء، ص254.

(4) ينظر: وينتن: آراء، ص255 - 256.

(5) ينظر: البوطي: كبرى اليقينيات، 228 وما بعدها، بتصرف.

٩١ / ١٥٥