محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٩١

وَأَمَّا إذا كان يقصد بالعلم مفهومه العامُّ، وهو إدراك الشَّيْء عَلَى ما هو عَلَيْهِ بالدليل، وتساءلنا عن رأيه في المعجزة، فَإِنَّهُ يجيب: لقد سألتني قبل الآن عن رأيي في وجود الله، وقد بَيَّنت لك بالدليل اليقيني، والبرهان القطعيِّ أَنَّ الله وحده واجب الوجود، وما سواه كلُّه من قبيل الممكن، وبيَّنتُ لك أَنَّ الله هو الخالق للأسباب ومسبَّباتها، وهو الرابط بينها، فلا يمكن أن أناقض نفسي وأقول لك: إِنَّ هَذَا النظام من قبيل الواجب الذي يستحيل خرقه! واطِّراد نظام السَّبَبِيَّة لا يرفعها لتكون واجبة الاستمرار، مستحيلة الانفكاك. فليست المعجزة أكثر من خرقٍ للعادة، وخرق العادة ليس من قبيل الواجب ولا من قبيل المستحيل، فهي إذن من الأمور الممكنة.

يقول العالم الإنجليزي} ويليم جونز}: ليس خلق العالم بأعجب من خرق نظامه، فَإِنَّهُ من السهل عَلَى خالقه أن يحذف منه شَيْئًا أو يضيف إِلَيْهِ شَيْئًا.

إِنَّ الإلف والاعتياد يجعلنا نعتبر المألوفَ غيرَ معجزةٍ، وخرقَهُ معجزةً، بينما الواقع أَنَّ المظاهر المعتادة في هَذَا الكون كُلُّهَا معجزات: الكواكب ونظام سيرها، وقانون الجاذبية، والجسم البشري وما حواه من عجائب وأسرار، كُلُّ ذَلِكَ من قبيل الآيات المعجزات.

المعجزة في ميزان القرآن الكريم:

إِنَّ القرآن الكريم يَنُصُّ عَلَى بعض المعجزات التي حدثت لسيِّدنا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، منها: معجزة الإسراء والمعراج، قَالَ تَعَالىَ: ﴿سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاَقْصَى﴾ (الإسراء: 1)، ومنها معجزة انشقاق القمر، قَالَ تَعَالىَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَّرَوَا ـ ايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: 1 ـ 2).

فمثل هَذِهِ المعجزات الثابتة بِنَصِّ القرآن، وبنصِّ الأحاديث المنقولة بالتواتر، يعتبر إنكارها شركا، لأَنَّهُ إنكار لِمَا ثبت بالبراهين اليقينية. وَأَمَّا ما ثبت بطريق الآحاد، فلا يعدُّ إنكارها مخرِجًا من الملة.

وَلَكِن قد يُتساءل: إِنَّ في القرآن ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم ليس من شأنه أن يأتي بالآيات، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَقَالُوا لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلِ اِنَّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (العنكبوت: 50)، وقال: ﴿وَقَالُوا لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الاَرْضِ يَنبُوعًا … ﴾، إِلىَ قوله: ﴿ … قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ (الإسراء: 90 ـ 93).

الجواب من وجهين:

1 - «إِنَّ هَذِهِ الآيات نزلت قمعا لسخرية المشركين بِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، لا عَلَى سؤال صادق بدر منهم، كما ترى من نسق الآيات وأسلوبها … ولو علم الله منهم صدق الطلب وحسن النية وَأَنَّهُم مقبلون في ذَلِكَ عَلَى محاولة التأكد من صدق النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، لحقَّق لهم ما يقنعهم في ذَلِكَ، وَلَكِنَّ أمرهم مطابق في ذَلِكَ لِمَا وصفه الله تَعَالىَ في آية أخرى إذ قال: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَآءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتَ اَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ (الحجر: 14 ـ 15)»(1).

2 - إِنَّ حكمة الله تَعَالىَ ورحمته بِهَذِهِ الأُمَّة اقتضت أن لا يعذبها بعذاب الاستئصال، فلو أَنَّهُ استجاب لطلبهم، وأنزل ما طلبوه من الآيات، ثُمَّ كفروا بها لأنزل عَلَيْهِم عذابا من السماء، كما فعل بعاد وثمود، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ اِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَالِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِالاَيَاتِ إِلآَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الاَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالاَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ (الإسراء: 58 ـ59)(2).

(1) البوطي: كبرى اليقينيات، 234 - 235.

(2) قال الشيخ اطفيَّش في تفسير قَوله تَعَالىَ: ﴿مَآ ءامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُومِنُونَ﴾ (الأنبياء: 6): «ما آمن أهل قرية قبلهم مقترِحَةٍ آيةً أهلكناها بالاستئصال، بل أهلكنا به من اقترحوها ولم يؤمنوا، فلا تقترحوها، وإن اقترحتموها لم أجبكم إليها؛ لأنَّه سبقت كلمتي أن لا أعذِّب أمَّة محمَّد به … ». تيسير التفسير، تحقيق: الشيخ إبراهيم طلاي، 9/ 257.

٩٢ / ١٥٥