محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٩٢

أنواع المعجزات:

المعجزات نوعان: حِسِّيَّة وَمَعْنَوِيَّة.

فمن المعجزات الحِسِّيَّة: انقلاب عصا موسى - عليه السلام - حيَّة تسعى، ﴿فَاَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ (طه: 20)، وتلقُّفها لِمَا يأفك السحرة: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنَ اَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَافِكُونَ﴾ (الأعراف: 117)، وانفلاق البحر لموسى وقومه: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلىَ مُوسَى أَنِ اِضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (الشعراء: 63)، وتحوُّل النار إِلىَ برد وسلام لإبراهيم - عليه السلام -: ﴿قُلْنَا: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء: 69). ومنها نبع الماء من بين أصابع الرسول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وكثرة الطعام عَلَى يديه في بعض الغزوات، وتكلُّم الشاة المسمومة له عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ(1) … والمعجزات الحِسِّيَّة تكون أَشَدَّ تأثيرا في من شاهدها، بخلاف من لم يشاهدها. وهناك من لا يعتبر ما ذكرناه من الخوارق الحِسِّيَّة للرسول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم معجزات، لأَنَّها لا تَتَوَفَّرُ عَلَى أحد شروطها، وهي التحدِّي، لأَنَّ كثيرا منها وقع بين أظهر المسلمين، وهم مؤمنون متيقِّنون بنبوَّته - عليه السلام -، لِذَلِكَ يسمُّونها كرامات(2).

ومن المعجزات المَعنَوِيَّة، بل أعظمها عَلَى الإطلاق: معجزة القرآن الكريم، وبيان ذَلِكَ فيما يأتي:

معجزة الرسول محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -:

· سأل العرب الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم أن يأتيهم بمعجزة تَدُلُّ عَلَى صدقه مثل الأنبياء السابقين، فأخبرهم بِأَنَّ القرآن أعظم معجزة له: ﴿وَقَالُوا لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلِ اِنَّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ اَوَلَمْ يَكْفِهِمُ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُومِنُونَ﴾ (العنكبوت: 50 - 51).

· لَكِنَّ الكافرين اسْتَمَرُّوا عَلَى جحودهم وإنكارهم وإعراضهم، فـ ﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَآ إِنْ هَذَآ إِلآَّ أَسَاطِيرُ الاَوَّلِينَ﴾ (الأنفال: 31).

· أجابهم الله تَعَالىَ بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُومِنُونَ فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (الطور: 33 - 34). ثُمَّ أتى بالتحدِّي القاطع لِكُلِّ الجِنِّ وَالإِنس أَن يأتوا بمثله: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَّاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88)،

· وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فقال: ﴿اَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لآَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلَ اَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 13 - 14).

· ثُمَّ تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة فقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ فيِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 23 - 24).

(1) ينظر: وينتن: آراء، ص258 - 260. وننبه هنا إِلىَ ما وقع فيه بعض العلماء، إذ ينسبون كمًّا كبيرا من المعجزات إِلىَ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، دون تحقيق في صحَّتها، بينما بعض منها موضوع أو ضعيف.

(2) يقول الشيخ بيوض في تفسير قَوله تَعَالىَ: ﴿اَوَلَمْ يَكْفِهِمُ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُومِنُونَ﴾ (العنكبوت: 50 - 51): «وَهَذِهِ الآيَة من أقطع الأَدِلَّة وأظهرها عَلَى أَنَّهُ ليست هناك معجزة جاء بها النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى وجه الإعجاز والتحدِّي، مثبتا بها صدقه وصدق رسالته إِلاَّ القرآن الكريم وحده، فهو دعوته وَهُوَ آيته … أَمَّا ما وقع للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم وجرى عَلَى يده من كرامات أو خوارق عادات فهي حَقًّا كثيرة، تقع إكراما له في مناسبات، وَتُسَمَّى معجزة تجوُّزا عَلَى اصطلاح المؤَرِّخِينَ وكتَّاب السيرة … ». الشيخ بيوض: في رحاب القرآن، 9/ 222 - 223.

ويميل الشيخ البوطي إِلىَ نقيض هَذَا الرأي. ينظر: كبرى اليقينيات، ص222.

٩٣ / ١٥٥