أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٩٣وَإِنَّ هَذِهِ المعجزة المَعنَوِيَّة للرسول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ضمان لاستمراريَّة دعوته، وحجَّته عَلَى الناس كَافَّة إِلىَ أن تقوم الساعة، وقد ظلَّت ـ وستظلُّ ـ آيات التحدِّي تقرع آذان الأدباء والبلغاء، مع ما عُرف به المنكرون في كُلِّ مكان من محاولة إفساد صفة الإعجاز في القرآن.
وأوجه إعجاز القرآن الكريم كثيرة، منها ما هو خاصٌّ بالعرب، ومنها ما هو عامٌّ لِكُلِّ البشر.
فَأَمَّا التحدِّي الخاصُّ بالعرب فهو النظم البديع للقرآن، فلم يكن من النثر المعهود في أساليبه، ولا من الشعر المعروف بأوزانه وألوانه، يستوي في الاستفادة منه جميع فئات المجتمع، من عوامَّ ومثقَّفين ومتخصِّصين … هَذِهِ هي بلاغة القرآن التي عجز العرب عن معارضته، مع ما عُرفوا به من البلاغة والمباراة فيها، بالمساجلة والمقارضة، وعقد أسواق أدبية لهذا الغرض … ومع أَنَّ هَذَا التحدِّي خاصٌّ بالعرب، فَإِنَّهُ أَيضًا تحدٍّ وإعجاز لغيرهم، لأَنَّ العرب في هَذَا حجَّة عَلَى من سواهم، فإذا علم الأعاجم بعجز العرب عن أن يؤلفوا كِتَابا مثل القرآن، بل عن أن يأتوا بسورة من مثله تيقَّنوا أَنَّ القرآن الكريم من كلام الله لا من كلام البشر(1).
و «أَمَّا الجانب الذي يَعُمُّ الناس كُلَّهم فيتمثل في إخباره عن المغيبات التي لم تكن قد وقعت بعد، ثُمَّ وقعت كما أخبر، وعن الأمم الماضية وقصصها؛ كما يَتَمَثَّلُ في تشريعه الشامل الدقيق الصالح لِكُلِّ زمان ومكان، مع ما عُرف من كونه عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أُمِّيًّا لم يقرأ كِتَابا ولا خطَّه بيمينه، فضلا عن أَنَّهُ لم يدرس قانونا ولا تشريعا، ولا عُني بِشَيْءٍ من أمر النظم الاِجتِمَاعِيَّة المعروفة إذ ذاك عند الفرس أَو اليونان؛ وفيما ينطوي عَلَيْهِ من القواعد والبحوث العِلمِيَّة التي لا يزال الباحثون اليوم في طور اكتشافها»(2).
******************************
المبحث الرابع
الكتب والصحف المنزَّلة
أَوَّلاً: وجوب الإيمان بالكتب:
إِنَّ الإيمان بجميع الكتب التي أنزلها الله عَلَى رسله أمر واجب، ويجب تخصيص القرآن منها، قَالَ تَعَالىَ: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَنْ يَّكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ (النساء: 136)، وإنكار بَعض منها، أو التكذيب بحرف منها بعد ثبوته يعتبر كفرا، قال تَعَالىَ لبني إسرائيل: ﴿أَفَتُومِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ فَمَا جَزَآءُ مَنْ يَّفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمُ إِلاَّ خِزْيٌ فيِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (البقرة: 85).
ثانيا: تعريف الكتب والصحف:
لغة: الكِتَاب: مصدر كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابة. وأصل الكَتْب: ضمُّ أديم إِلىَ أديم بالخياطة، واستعمل عرفا في ضمِّ الحروف بَعضها إِلىَ بَعض. والمقصود بِالكِتَابِ: اسم المفعول، أي المكتوب، وَهُوَ ما خُطَّت فيه الحروف والكلمات. والصحيفة: هي الورقة المكتوبة، وجمعها صحف وصحائف. والصحيفة وَالكِتَاب مترادفان.
اصطلاحا: الكتب والصحف هي ما أوحى به الله إِلىَ رسله لتبليغه للناس، وعندما يُجمع ويدوَّن يُسَمَّى كِتَابا.
ثالثا: عدد الكتب والصحف:
لم يَرِد في القرآن الكريم عدد الكتب والصحف، وَإِنَّمَا وردت فيه أسماء بَعض الكتب مضافة إِلىَ رسل أنزلت عَلَيْهِم.