محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٩٤

وجاء في الخبر عن أبي ذر أَنَّ عدد الصحف والكتب هو أربعة ومائة كِتَاب: خمسون عَلَى شيث، وثلاثون عَلَى إدريس، وعشرة عَلَى إبراهيم، وعشرة عَلَى موسى قبل التوراة، والتوراة لموسى، والإنجيل لعيسى، والزبور لداود، والقرآن لسيدنا محَمَّد صلَّى الله عليهم وسلَّم أجمعين.

قَالَ تَعَالىَ عن بَعض الصحف: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى﴾ (النجم: 36 ـ 37)(1).

وقال عن التوراة: ﴿إِنَّآ أنزَلْنَا التَّوراةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: 44)، وقد سماها ألواحا في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 145)، وقد تكون الصحف والتوراة والألواح شَيْئًا واحدا(2).

وقال عن الإنجيل: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَارِهِم بِعِيسَى اَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوراةِ وَءَاتَيْنَاهُ الاِنجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ (المائدة: 46).

وقال عن الزبور: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلَى بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (الإسراء: 55).

رابعا: خصائص الكتب والصحف:

لقد خاض بعض العلماء في مسائل مُتَعَلِّقَة بالموضوع، كمناقشة تفاضل الكتب كتفاضل الأنبياء المنزلة عَلَيْهِم، والخوض في الاشتقاقات اللغوية لأسمائها، وردُّوا كثيرا منها إِلىَ اللسان العَرَبِيِّ، ولو بتكلُّف، وكذلك تحدَّثوا عن زمن نزولها، وَلَكِن كُلُّ هَذَا لا طائل من ورائه، ولا نصَّ صريحا أو صحيحا فيه(3).

أَمَّا الخصائص الثابتة بِنَصِّ القرآن الكريم للكتب فَإِنَّنَا نذكر منها ما يأتي:

1 - كُلُّ الصحف والكتب تَتَّفِقُ في العقيدة ومكارم الأخلاق، مثل: إفراد الله تَعَالىَ بالعبادة، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ اِلاَّ يُوحَى إِلَيْه أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 25). ولكنها تختلف في بَعض الشرائع والأحكام، قَالَ تَعَالىَ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: 48)(4).

2 - كُلُّ الكتب عهد الله بحفظها إِلىَ الناس فخانوا الأمانة، وبدلوا وغيروا، وأخفوا منها ما أرادوا، خدمةً لأغراضهم وأهوائهم، فأحلوا ما حرم الله(5)، قال تَعَالىَ عن اليهود: ﴿مِنَ الذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ (النساء: 46)، وأضافوا إِلىَ التوراة قصصا عن الأنبياء في غاية من السوء والفحش، ونسبوا إِلىَ الله ما هو شرك صريح: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَالِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلَ الذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُوفَكُونَ﴾ (التوبة: 30)، وكتموا من التوراة والإنجيل ما شاءوا، ومن ذَلِكَ التبشير بالرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، قال تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَآءِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِن بَعْدِيَ اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (الصف: 6). وَأَمَّا القرآن الكريم فقد تكفل الله بحفظه، قَالَ تَعَالىَ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).

3 - لم تكن تلك الكتب معجزة بلفظها، ما عدا القرآن، ليبقى المعجزة الخالدة للرَّسُول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، قَالَ تَعَالىَ: {قُلَ اَرَآيْتُمُ إِن كَانَ

4 -

(1) وقال أَيضًا: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الاُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (الأعلى: 18 ــ 19).

(2) ينظر: وينتن: آراء، ص264 - 265.

(3) ينظر: وينتن: آراء، ص265 - 266.

(4) قال تَعَالىَ قبلها: ﴿وَلْيَحْكُمَ اَهْلُ الاِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبَعَ اَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَّقِ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: 47 ــ 48).

(5) فقد استحلوا خيانة الأمانة: ﴿وَمِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مَنِ اِن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُّوَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنِ اِن تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُوَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ: لَيْسَ عَلَيْنَا فيِ الاُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونُ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 75)، كما استحلوا الربا وقد نهاهم الله عنه: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا﴾ (النساء: 161).

٩٥ / ١٥٥