أصول الدينونة الصافية عمروس بن فتح المساكني أبو حفص

أصول الدينونة الصافية

الجزء ١ · صفحة ٢٣

بكما لا بهم، لأنَّكما زكَّيتماهم بقولكما: أهل شروس لا يكذبون»، فقالا له: «ما ذلك مرادنا»، فترك جواز شهادتهم بعد ذلك إلى أهل العدالة والرضى. (1)

2 - سأله رجل بمحضر أبي مهاصر عمَّن أخذ من مال ابن طيلون، خرج فتاب ولم يعلم له صاحبًا، قال: «تسأل عن مولاه، فإن أعياك أمره فتصدَّق به» .. فغضب أبو مهاصر فقال: «لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا» .. قال عمروس: «إن أردت أن تقعد فاقعد، فإنَّ من شأن المسلمين أن لا يؤيِّسوا أحدًا من رحمة الله». (2)

3 - حدَّث جماعة من المشايخ أنَّ أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع هو وعمروس بن فتح رحمهما الله، فلبثا أيَّامًا على غير ماء في بريَّة من الأرض، لا يجدون ما يتوضَّؤون به، إنَّما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمَّموا وصلُّوا، وتكدَّر خاطر أبي مهاصر لذلك، حتَّى قال ذامًّا لهذه الحال: «قلوب تربو عليها الشحوم مِمَّا سمنت، ووجوه تعلوها الغبرة، قلَّت سلامة الدين مع أهل الوبر، إنَّما الدين في المدر، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لاتِّباع شهواتنا، وإنِّي لأخاف أن أكون مِمَّن عاب الله عزَّ وجلَّ، فقال فيهم: ﴿أضاعوا الصلاةَ واتَّبعوا الشهواتِ، فسَوْف يَلقَوْن غيًّا﴾» (3) فردَّ عليه عمروس

(1) - الوسياني: سير (مخ)، ج 1، ص 3. ولكنَّ الدرجيني استبعد أن يقع مثل هذا العبث بأحكام الله من الشيخ، فقال: «وعمروس أجلُّ من أن يتجاوز إلى هذا القدر، أو ينسب إليه هذا التهاون» فأوَّله بأنَّه توبيخ مؤدَّب مع الشيخين لأنَّهما أعلى منه مرتبة حتَّى يعدِّلا فتواهما، إلى أن قال: «وهذه إحدى فضائله، لا ينسب إليه غير هذا». الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 322.

(2) - الشمَّاخي: السير، ص 227. قال الشيخ علي يحيى معمَّر: «لقد كان أبو مهاصر شديدًا وهو يرى أن يلزم صاحب الخرج أن يبحث عن صاحبه أو ورثته مهما كلَّفه الأمر، ولن يبرِّئه من التباعة غير ذلك، أمَّا عمروس فقد كان أعمق فهمًا لأسرار الشريعة .. وقد أصبح قول عمروس هو القول المعمول به في الأحوال المشابهة». الإباضية في ليبيا، القسم الأوَّل، ص 140.

(3) - سورة مريم: 59.