إعمال العقل.... المنهج والتطبيق لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ٥- قال القاضي عبدالجبار المعتزلي في "طبقات المعتزلة" ص 139 عن العقل: (يميز به بين الحسن والقبيح ، ولأن به يعرف أن الكتاب والسنة والإجماع ، وربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط، أو يظن أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس الأمر كذلك لأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع، فهو الأصل في هذا الباب، وإن كنا نقول: إن الكتاب هو الأصل من حيث إن فيه التنبيه على ما في العقول، كما أن فيه الأدلة على الأحكام).
- وقال الجويني الأشعري في "الإرشاد" ص 228: (العقل لا يدل على حسن شيء ولا قبحه في حكم التكليف، إنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع، وأصل القول في ذلك أن الشئ لا يحسن لنفسه وجنسه وصفة لازمة له، وكذلك القول فيما يقبح، وقد يحسن في الشرع ما يقبح مثله في المساوي له في جملة أحكام صفات النفس).
نرى أن القاضي عبد الجبار:
1. جعل العقل دليلاً أعطاه القدرة على التحسين والتقبيح وجعل الوحي مصدقاً للعقل في حكمه، ونحن لا يمكننا أن نوافق القاضي عبدالجبار في هذا، ذلك أن العقل عبارة في أساسه الفطري عن نسق من المبادئ المنطقية )الاتساق ـ السببية) والعمليات الإجرائية (التحليل ـ التركيب والتجريد ـ والتشخيص) فحكمه على الأشياء سوف ينبع من خلال خبرته المعرفية التي اكتسبها، أو من خلال وعيه بالتناقضات بين الفكر والواقع، فالحكم على الأشياء بالقبح والحسن مرتبط بالتصور الكلي الذي يعطي الأشياء دلالاتها، وتصور الأشياء منبثق عن الرؤية الكلية للوجود، فالوحي هنا هو الذي يضبط هذا التصور لا العقل.
2. لكنه في المقابل قال: (إن الكتاب هو الأصل من حيث إن فيه التنبيه على ما في العقول، كما أن فيه الأدلة على الأحكام) ، وهذا الكلام منه صحيح، ولو أنه اعتمده لما احتاج للقول بالتحسين والتقبيح العقلي فقط.