إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ١ · صفحة ١٣١

ولقد بلغني مقالكم في أصحابي، وما عبتموه من حداثة أسنانهم، ويحكم! وهل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله إِلاَّ أحداثا؟، نعم، إنَّهم لشباب يتكهَّلون في شبابهم، غضيضة عن الشرِّ أعينهم، ثقيلة في الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة، قد نظر الله إليهم في جوف الليل، محنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلَّما مرَّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنَّة بكى شوقًا، وكلَّما مرَّ بآية فيها ذكر النار شهق خوفًا، كأنَّ زفير جهنَّم بين أذنيه، قد أكلت الأرض جباههم وركبهم، ووصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، مصفرَّة ألوانهم، ناحلة أبدانهم من طول القيام، وكثرة الصيام، موفون بعهد الله، منجزون لوعد الله، قد سيَّروا أنفسهم في طاعة الله، حتَّى إذا التقت الكتيبتان، وأبرقت سيوفها، وفوِّقت سهامها، وأشرعت رماحها لقوا شبا الأسنَّة(1) ، وزجاج السهام، وظبي السيوف بنحورهم ووجوههم وصدورهم، فمضى الشابُّ منهم قدُما، حتَّى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، واختضبت محاسن وجوههم بالدماء، وعفِّر جبينه بالتراب والثرى، وانحطَّت عليه الطير من السماء، ومزَّقته سباع الأرض، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف اللليل من خوف الله، وكم من وجه رقيق، وجبين عتيق قد فلق بعمُد الحديد، ثمَّ بكى فقال: هاي هاي على فراق الإخوان، رحمة الله تعالى على تلك الأبدان، اللهمَّ أدخل أرواحها الجنان».

(1) - … شباة، أو الشبا: شبا كلّ شيء حدُّه.وطرفه … الرازي: مختار الصحاح، ص328

١٣١ / ٩٠٨