إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ١ · صفحة ٣٥١

وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدِّث﴾(1) ، والمحدث في كلام العرب ما لم يكن ثمَّ كان فإن عارض معارض فقال: «إنَّ المحدث ما كان في الدنيا وما يقرأ وهو مخلوق»، وهو حكاية لكلام الله عزَّ وجلَّ الكائن فيه القائم بذاته الذي ليس بمخلوق، فلو كان كما قال من أنَّ هذه حكاية والحكاية مخلوقة والمحكي ليس بمخلوق، فلا تخلو الحكاية من أن تكون مخالفة للمحكي أي(2) موافقة له، فإن كانت موافقة له فكيف يكون شيئان متفّرقان واحد مخلوق والآخر غير مخلوق، وقد اجتمعت الأمَّة على أنَّ ما جاز في الشيء جاز في نظيره، وإلاَّ بطل ما اجتمعت عليه الأمَّة إذًا، وإن قال إنَّ الحكاية غير المحكيّ وهي خلاف له وهذا أغرب وأبعد ما يكون من الصواب، وذلك خروج من لسان الأمَّة وجميع الأمم، لأنَّ الحكاية لا تكون حكاية للشيء إِلاَّ وهي في مثل المحكيّ معبرة عنه بما هو به، ولو أمكن خلاف ما نقول من أنَّ الحكاية غير المحكيِّ لوجب على كلّ الأخبار الكاذبة أن تكون صادقة، وعلى كلِّ الأخبار الصادقة أن تكون كاذبة، ويكون الشعر أيضًا حكاية القرآن، والقرآن حكاية الشعر، والمدح حكاية الذمِّ، والذمُّ حكاية المدح، ولا ينبغي أن ننكر خبرا ونكذِّب مخبرًا، ونردَّ حكاية، أو ننكر مقالة، وإذا أمكن هذا وجاز فمن أين كان الصدق صدقا والكذب كذبًا، ولعمري لئن كانت الحكاية في خلاف المحكيِّ لينبغي أن يكون الصدق هو الكذب، والكذب هو الصدق؛ فلمَّا بطل هذا وفسد صحَّ أنَّ الحكاية لا تكون خلاف المحكيِّ.

(1) - … سورة الأنبياء: 2.

(2) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أو».

٣٥١ / ٩٠٨