إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦وقال عزَّ وجلَّ لنبيِّه - عليه السلام - : ﴿ولئن شئنا لنذهبنَّ بالذي أوحينا إليك﴾(1) ، فوصف نفسه بالقدرة عليه إذا شاء ذهب به، والمقدور غير القادر، والقادر غير المقدور، ولو كان المقدور هو القادر لم يستدلَّ به على القادر إذًا وهو بمثل ما به المقدور عليه، فلا يخلو القرآن من أن يكون مقدوراً عليه أو قادراً، فإن كان قادراً فهو المرغوب إليه والمعبود، فلمَّا فسدَ هذا صحَّ أنَّ الله عزَّ وجلَّ هو القادر المعبود وَأَنَّ القرآن هو المقدور عليه، وذلك أنَّ القرآن لا يخلو من أحد أمرين: إمَّا أن يكون معمولا به، أو معمولا له، فإن كان معمولا له فهو المعبود المتقرَّب إليه بالطاعة الذي يثيب ويعاقِب، فلمَّا بطل هذا أن يكون مِن نعتِ القرآن وصفته، وأنَّه من صفة القادر الخالق صحَّ أنَّ القرآن معمول به متقرَّب به إلى خالقه الذي أحدثه ودبَّره، وترجَّى به الرأفة من عنده. ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿ألمص، كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى﴾(2) ، فجعله نذارة وحجَّة لنبيِّه - عليه السلام - ، وقال: ﴿ألمر، كتاب أحكمت آياته ثمَّ فُصِّلت من لدنْ حكيم خبير﴾(3) ، فلا يعدو القرآن من أن يكون محكِمًا أو محكَمًا، والمحكَم مخلوق، وصحَّ أنَّ له محكِمًا أحكمه، وتولىَّ تدبيره؛ قال: ﴿ثمَّ فصِّلت من لدن حكيم خبير﴾ فلا يعدو أن يكون القرآن مفصِّلا أو مفصَّلا؛ وكذلك قال عزَّ وجلَّ: ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصَّلناه على علم﴾(4) فلو كان القرآن مفصِّلا لكان هو الفاعل، فلمَّا بطل هذا لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصًّلناه على علم﴾ فأخبر عزَّ وجلَّ أنَّه هو الذي أتى به، وهو الذي فصَّله وأحكمه وجعله رحمة.