إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ١ · صفحة ٣٥٨

وقال أيضًا: ﴿إنَّا نحن نزَّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون﴾(1) ، فلا يعدو هذا الذكر ــ وهو القرآن عندنا وعندهم ــ أن يكون حافظًا أو محفوظًا، فلمَّا بطل أن يكون حافظا صحَّ أنَّه محفوظ، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ وصف نفسه بالحفظ، وأنَّه دبَّره وحفظه ومنعه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأخبر أنَّ له خلفًا وتجاهًا، وهذه الصفة موجودة في الخلق، فكيف يوصف بصفة الخلق من ليس بمخلوق، فلمَّا بطل هذا وصحَّ أنَّ كلَّ ما جرى عليه صفة الخلق فهو خَلْقٌ، كما لا يجوز أن يوصف بصفة الخالق إِلاَّ الخالق، فلمَّا وصف الله القرآن أنَّه منزَّل صحَّ أنَّ له من أنزله، وهو غيره، وهو القادر عليه، لأنَّه عزَّ وجلَّ قال: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾(2) ، وقال: ﴿ونزَّلنا من السماء ماءً مباركًا﴾(3) ، ﴿وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجَّاجًا﴾(4) ، وقال: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾(5) ، أفترون أنَّ المخاطبين بهذا كانوا يشكُّون أنَّ معنى أنزل في هذا معنى خلق، أوَ لا ترون أنَّ الله عزَّ وجلَّ وصف القرآن بصفة لا يجوز أن يوصف بها الخالق، لأنَّه في القرآن أمر ونهي، وإنَّ الأمر منه غير النهي، والنهي منه غير الأمر، والأمر منه غير الآمر، والناهي منه غير النهي، وإنَّه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وإنَّ المحكم غير المتشابه، والمتشابه غير المحكم، والناسخ غير المنسوخ، والموصول غير المقطوع، أفلا ترون أنَّه قد جرى عليه التغاير، وما جرى عليه التغاير جرى عليه العدد وما جرى عليه العدد فهو غير الواحد القديم الذي لا يجري عليه التجزِّي والعدد فله من جزاه ودبَّره وأنشأه وأحدثه بعد أن لم يكن، وهذه الصفات عن الله منفيَّة، وهي في القرآن موجودة، ومنه قوله تعالى: ﴿نحن نقصُّ عليك أحسن القصص﴾(6)

(1) - … سورة الحج: 9.

(2) - … سورة الزمر: 6.

(3) - … سورة ق: 9.

(4) - … سورة النبأ: 14.

(5) - … سورة الحديد: 45.

(6) - … سورة يوسف: 3..

٣٥٨ / ٩٠٨