إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي
الجزء ٢ · صفحة ٩٦قال المصنِّف: «ووجب من وجوب المعرفة بحقِّيَّة ما جاء به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مع كونه بشرًا، وجوب صدقه وأمانته، واستحالة الكذب والخيانة عنه، بفعل ما نهى عنه، أو ترك ما أمر به من تبليغ الرسالة وغيره، وجواز ما سوى ذلك في حقِّه من الأعراض البشريَّة، كالأكل والنكاح والنوم والمرض والموت وغيرها، مِمَّا لا يترتَّب عليه نقص في منزلته، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام»، انتهى.
أقول: إنَّ الواو من قوله: «ووجب» عاطفة على قوله: «فوجب عقلا…» إلخ. و«حقِّيَّة» ــ بتشديد القاف والياء المثنَّاة ــ نسبة إلى الحقِّ، وهو متعلِّق بمعرفة، و«ما» في قوله: «ما جاء» بمعنى الذي جاء، والمعية في قوله: «مع كونه» معنوية وقوله: «بشرًا» نصب لأَنَّهُ خبر لـ«كونه» لأَنَّهُ مصدر كان، قال الشاعر:
ببذل وحلم ساد في قومه … الفتى … وكونك إيَّاه عليك … يسير
وقوله: «وجوب صدقه» أي برفع الوجوب لأنَّه فاعل «وجبَ»؛ والضمير في قوله: «صدقه» عائد إليه - صلى الله عليه وسلم - ؛ وكذلك في قوله: «وأمانته»، وقوله: «واستحالة الكذب» أي امتناع وعدم إمكان الكذب عليه - صلى الله عليه وسلم - مطلقا، وقوله: والخيانة عنه، أي استحالة ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم - لأنَّ الكاذب والخائن لا يصلح أن يكون رسولا بل ولا يكون مؤمنا تقيًّا، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إنَّما يتقبَّل الله من المتَّقين﴾(1) . ولا شكَّ أنَّ الكاذب والخائن ليسا من المتَّقين، فما هو الاتِّقاء منهما؟ انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى لاحظ القاضي في قوله تعالى: ﴿تلك الجنَّة التي نورِثُ مِن عبادِنا مَن كان تَقيًّا﴾(2) ، فقال: «إنَّ الآية دليل في أنَّ صاحب الكبيرة ــ وإن كان موحِّدا ــ لا يدخل الجنَّة لأَنَّهُ ليس بمتَّق رفع ذلك عنه الفخر الرازي في تفسيره الكبير عند الآية، وهو الحقُّ وما سواه على خلافه». انتهى.