إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٤اعلم أنَّ مسألة الإحباط مبنيَّة على مسألة القطع بتعذيب الفسَّاق، فذهب أصحابنا والمعتزلة إلى إحباط الأعمال بمطلق الفسق إذا لم يتب منه، وذهب القائلون بعدم القطع بوعيد الفسَّاق إلى أنَّ الأعمال إِنَّمَا تحبط بالشرك لا بشيء غيره من أنواع الفسق وهي كأصلها من المسائل الدينيَّة، فما ورد في الأثر مِمَّا نصُّه: «قال جابر بن النعمان رحمه الله: “اختلف المسلمون من أهل صحار في الذي يعمل الحسنات والسيِّئات فقال قائلون منهم: “إِنَّمَا تحصى عليه حتَّى يموت، ثُمَّ ينظر في حسناته وسيِّئاته أيُّهما أكثر جزي به؛ وقال آخرون: “إذا عمل حسنة ثُمَّ عمل سيِّئة محت السيِّئة الحسنة” قال جابر: “فخرجنا من صحار إلى سمائل فسألت هاشم بن غيلان رحمه الله عن ذلك فقال: كفُّوا عن هذا فقد وقع هذا في صحار وكتبوا إلينا فلم نجب، وعند هذا ومثله تقع الفرقة”. وبالله التوفيق».
هل هذا الخلاف مقرِّر أم مردود؟
فالجواب فيه: أنَّ هذا المقام ليس محلاًّ للخلاف؛ وأنَّ القائل بأنَّ السيِّئة تمحو الحسنة إذا جاءت بعدها هو المصيب، لكن بشرطين: أحدهما أن تكون السيِّئة كبيرة، لأنَّ الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر؛ وثانيهما أن يموت عليها، لأنَّه إذا تاب منها ردَّ إليه ثواب حسنته، وناهيك بسكوت هاشم بن غيلان عن الجواب عليهما بقوله: «وعند هذا ومثله تقع الفرقة» تنبيها على أَنَّهَا من مسائل الدين؛
فإن قيل له: كانت المسألة من مسائل الدين ما وسع هاشما السكوت عنها، لحديث: «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله»(1) .
(1) - وانظر- الجامع الصحيح، حديث رقم 943، ص268-269.