الإقرار بالايمان
الجزء ١ · صفحة ١٣وفي أثناء القرنين الرابع والخامس الهجريين، العاشر والحادي عشر الميلاديين، برزت عملية تنظيم وعقلنة (ردها إلى مبادئ عقلية) العقائد، على غرار الفكر الأرسطوي، فظهرت، وإن كان بشكل متقطع، مقولات (واجب)، (ممكن أو جائز) و(مستحيل). ويرجع الفضل في التحول الحاسم، والذي أعّد له فلاسفة مثل الفارابي (توفي في العام 339هـ، 950م) و إبن سينا (توفي في العام 428هـ، 1037م)، إلى عبد القاهر البغدادي (توفي في العام 429هـ، 1037م)، والذي كان له السبق، على ما يبدو، في إدخال مبدأ العلم في علم الكلام. ولقد ارتكز اثبات صفات ذات الله على نظرية العلم والتي تمثل أول أحجار بيت اللاهوت. وأقدم الأعمال الدالة على ذلك هو الفقه الأكبر3 والذي، وإن كان قد نُسب للإمام الشافعي، لا يمكن أن يكون سابقا لأوائل القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي. ويُعرّف الفقهُ العلمَ ويطبق هذه الأداة الجديدة، على العالم، ويُظهر، ليس الأشياء فحسب، ولكن خالقها (بارئها) وصفاته. وبالتالي وجدت سلسلة من المقالات توضح العلاقة بين الله والإنسان، بعثة النبي (ص)، قيمة الإيمان، إحساس الجماعة، وللمرة الأولي في كُتب "العقيدة"، شروط الإمامة. ولم يكن الفقه الأكبر3 على نفس بساطة كُتب "العقيدة" السابقة، ولكن كان له طابع كتب التربية الدينة، ذلك الطابع الذي سوف يبرز أكثر فأكثر فيما بعد، في المشرق، في عقيدة أبا حفص "عمر النَصَفي" (توفي في العام 537هـ، 1142م) وفي الغرب في عقيدة ابن تومرت، المتلقب بالمهدي زعيم دولة "الموحدين" (توفي في العام 537هـ، 1142م).
وتحت هذا النوع من كتب العقيدة أو كتب التربية الدينية تندرج أيضا عقيدة الجنّاوني.