الإقرار بالايمان
الجزء ١ · صفحة ١٩العنصر الثالث الذي يدخله الجنّاوني تحت مصادر التشريع هو "استصحاب حال الأصل"، أي "استمرارية حال الأصل"، وهي الخاتمة التي يصل إليها الفقيه عن طريق ربط حال شيء ما بسابقه. بمعنى آخر، أنه بمجرد أن تثبت حالة أمر ما في لحظة ما، فيفترض أن تستمر هذه الحالة إلى أن يثبت العكس. ويعتبر الشافعي، والذي كان أول من طبّق هذا المبدأ ولكن دون استخدام لفظة "استصحاب"، أنه جزأ من "القياس" و"المعقول"(1). والقاعدة الأساسية عند الجنّاوني هي "براءة الذمّة"؛ فمن أدعاها "شُغل الذمّة" فعليه البرهان، تماما مثلما يجب على كل من أنكر هذا البرهان، بعد إتيانه، أن يأتي ببرهان "يدحضه". ومن ذلك نصل إلى أنه ما من فرض يقع على عاتق المسلم، ما لم تحدده الشريعة. ويعلق القصبي قائلا: أن الموقف الإباضي بناء على ذلك يخالف موقف المعتزلة، القائلين بأن أحد أصول الفرض يمكن أن يكون أيضا "العقل" فقط (بمعني التدبر والتفكر). وهناك جانب آخر للاستصحاب عند الجنّاوني؛ ألا وهو "الاستحسان" والذي يصفه بأنه حكم يستند إلى ما جاء به آخرون من ذوي الثقة (تقليد)، دون إلزام، برهان أو اثبات". وبمعنى آخر، فالاستحسان، وهو تفضيل حكم تُمليه أسباب الاستخدام المنفعة العملية أو الإنصاف، على حكم يُمليه القياس، لن يعدو عندئذ كونه تقليدا، أو حكما يفتقر لأي برهان مباشر. ويشرح القصبي لنا العلاقة بين التقليد والاستصحاب بأن من يستخدم التقليد يستصحب إثبات المُقلد.
وبغض النظر عن كون هذا التفكير صحيحا أم لا، فالأمر الذي يعنينا هنا ملاحظته هو أن الإباضية يقرّون ليس فقط الاستحسان، بل التقليد أيضا(2).
(1) - كتاب الأم، بولاق 1321-1325، ط4، ص170.CF. J. Schacht، The origins of Mohammedan Jurisprudence، أكسفورد 1950، ص126.
(2) - انظر تأكيدات Schacht في Handworterbuch des Islam، عن أن التقليد مرفوض عند الإباضية.