الإقرار بالايمان
الجزء ١ · صفحة ٣٠ومرة أخري يؤكد على القَدر الذي كتبه الله مسبقا على حوادث الدهر. من ناحية أخري فنحن نعرف، لأن الجنّاوني رفض ذلك صراحة، أن هذا القَدر ليس نفس الشئ المطلق الذي يؤمن به الجبرية. وهكذا، فإزاء قَدر المعتزلة، والذي رفضه الجنّاوني أيضا، لا يتبقي سوي حل الوسط الذي جاء به الأشاعرة. ونفهم بوضوح، من تأكيده على واجب المؤمن في أن يري في الأشياء المخلوقة برهانا وشهادة على قدرة الله، أنه قَبِل بهذا الحل (اي حل الأشاعرة) :"أمّا واحد يدل على واحد، فوجود الفعل يدل على الاستطاعة". وإن أفعال الإنسان، على الرغم من أنها من خلق الله، تنبع عن قدرة "استطاعة" يمتلكها الإنسان. ولكن هذه الاستطاعة من خلق الله، ويخلقها مع الفعل لكي يحقق هذا الفعل وليس فعل آخر. والفرض بأن يكون موضوع الاستطاعة هو الفعل أو ضده، هو فرض مستبعد، فمن ناحية، أكد سياق النص بكل وضوح على أن الواحد يدل على الواحد، ومن ناحية أخري، فإن التسليم به (أي الفرض) سوف يعني العودة إلى موقف المعتزلة، والذي أنكره الجنّاوني. وعلي الرغم من أن النص لم يشتمل صراحة على مصطلحات: الكسب والاكتساب، فإن استخدام الاستطاعة يرجع بنا للعقيدة الأشعرية التي تُقر بحرية أفعال الإنسان، ولكن بشكل محدود.
وإذا كانت معرفة المبادئ المذكورة أعلاه دائمة الوجوب على المؤمن الحق، فليس الحال كذلك بالنسبة لمعرفة الواجبات الدينية التي تتطلب سلفا تحقق شرط ما. وهذا الشرط ربما يكون تحقق البرهان (argumentum revelationis)، مثلما الحال في مسألة صفات الله، الأنبياء، الملائكة؛ أو أن يُعمّر المرء في الدنيا قدر أجله المكتوب، وأيضا بالنسبة للشعائر مثل الصلاة والصوم.
وأكثر من ذلك، فالمؤمن ليس مطالبا بأن يكون على قدر كبير من الإلمام بأحكام الشريعة والتي تفترض سلفا التمتع بتخصص أهل الذكر.