الإقرار بالايمان
الجزء ١ · صفحة ٦٩وأما المنُّ والدلائلُ: فلتجب معرفَتُهما مع أوّل البُلُوغِ ؛ وذلك أن تعلم أن الله تعالى خَلق الخلق ورزَق الأرزاق، مَنًّا منه وفضلاً، لا وُجُوبًا، وفرضًا، ولكن خلهم إظهاراً لقدرتِهِ، وتحقيقاً لما سَبَقَ من إرادتِه، ولما حَقَّ في الأزلِ من كلماتِهِ لا لافتقارِه إليهِمْ، وحاجته، وأحْدَثَهُم بقدرته لا لحاجة ولا لاستفادةٍ، وخَلق الملائكةَ المقَرَّبِينَ لِلْقُرْبِ والسعادة، وخَلق الجِنَّ والإِنسَ للابتلاءِ والعبادةِ، وخَلقَ سائر الْخَلق للدَّلالةِ والشهادةِ. وأما الدلائلُ: فهي مخلوقاتُ اللهِ تعالى، تَدُلُّ على رُبُوبِيَّتِهِ تعالى، ووَحْدَانِيَّتِهِ. والعاقلُ الصَّحِيحُ العَقْل إذا نظر في الأشياء بِعَيْنِ البَصِيرَةِ عَلِمَ المعلومات، واستَدَلَّ ببعضها على بعض. والدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ العقل حُسْنُ المذاهب ؛ولذلك قيل: ثمانيةُ مدلولاتٍ، وأدِلّتُها منها: واحدٌ يدلُّ على وَاحِدٍ، واثنان يدلان على واحِدٍ، ووَاحِدٌ يدل على اثنين. أمَّا واحدٌ يدُلُّ على وَاحِدً: فوجودُ الفعل يَدُلُّ على الاستطاعة. وأما اثنان يَدُّلاَّنِ على واحد: فحركةُ الاضْطِرَارِ وحركة الاكْتِسَابِ يَدُلاَّنِ على الحيَاةِ. وأما واحِدٌ يَدُلُّ على اثنين: فحُسْنُ المذاهب يَدُلُّ عَلَى العَقْلِ والتكليف، والعقل هو المُمَيِّزُ بين المحسوسات، والمحسوسُ ما أَدْرَكَتْهُ الحواسُّ، والحواسُّ خمسٌُ وهي :السَّمْعُ، وَالبَصَرُ، والشَّمُّ، وَالذُّوقُ، وَاللَّمْسُ. فأما محسوسُ السَّمْعِ :فالأصواتِ بأصنافِها، وأما محسوسُ البَصَرِ :فالألوانُ والصُّوَرُ، وأما محسوسُ الذُّوقِ: فالطُّعُومُ بأصنافها من الْحُلُوِ والمُرِّ والقارِسِ والبَشِيع. وأما مَحْسُوُس الشَّمِّ :فالأرياحُ الطيبة والخبيثة. وأما محسوس اللمس: فالليَانَةُ والخشونَةُ والحارُّ والبارد. فتجلب هذه الْحوَاسّ ما أدركته إلى العقل فيُمَيِّزُ ما بينها، ويستدل بما أدْرَكَتْه