الإيمان والإسلام والعلاقة بينهما أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الإيمان والإسلام والعلاقة بينهما لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٣

يقول: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة "، ويقول – تبارك وتعالى – خطاباً لعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم : " قل إنني هداني ربي إلى صراطٍ مستقيمٍ ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين * قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين * " ، فترون أن الله تبارك وتعالى بيّن أولاً أن الله عز وجل قد هدى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى صراطٍ مستقيم، وفسر هذا الصراط بقوله " ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين "، ثم أتبع ذلك بياناً واضحاً يدل على أن الإسلام الصحيح هو أن يُسلِم الإنسانُ نفسَه لله بحيث يسلم روحه وجسمه وقلبه وعقله وفكره ووجدانه لله تبارك وتعالى وينشأ عن ذلك أن تكون أعماله كلها لله سواءً الأعمال التي هي تعبُّدات خالصة لله عز وجل أو الأعمال التي فيها منافع لنفسه ومنافع لغيره من العباد، فكما أن الصلاة التي هي تعبُّدٌ محض تكون بموجب حكم الإسلام خالصةً لله كذلك النسك الذي هو عملٌ تعود مصلحته على الإنسان ..تعود مصلحته على الفرد وعلى بني جنسه..ولكنه هو أيضاً بمقتضى حكم الإسلام يجب أن يكون خالصاً لله. وفي هذا ما يدل على أن الأعمال الظاهرة والباطنة تكون لله، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل تنص الآية على أن الحياة والممات لله، هذه هي حقيقة الإسلام " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين * "، فهذا هو الإسلام إذن.

والله تبارك وتعالى بين أن دينه الحق هو الإسلام عندما قال – عز من قائل - : " إن الدين عند الله الإسلام "، وعندما قال : " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ". فإذن هذا هو الإسلام المطلوب وهو أن تكون حياة الإنسان لربه وأن يكون مماته لربه، ومعنى ذلك أن المسلم مطالبٌ بأن يتحرك في إطار الإسلام العام الشامل في جميع تصرفات حياته؛ فالمسلم إذا أبصر إذن يبصر بعيني الإسلام وإذا فكر فكر بعقل الإسلام وإذا أخذ أو أعطى كان ذلك بيدي الإسلام وإذا تنفس تنفس برئتي الإسلام وإذا مشى مشى بقدمي الإسلام بل نبضات قلبه وخلجات جسمه كلها منطلقةٌ من قاعدة الإسلام، ومعنى ذلك أن الحياة كلها خاضعة لمنهج الإسلام منهج الله تعالى الحق.

والله تبارك وتعالى أتى بكلمتين وجعلهما بمعنى واحد وهو الدين والإسلام : " إن الدين عند الله الإسلام "، فلننظر إذن في مدلول الكلمتين. ما هو الدين لغة؟ الدين لغة من دان يدين بمعنى خضع وانقاد؛ يقال فلانٌ دان لهذا الأمر أي انقاد له، ومن هذا الباب قول عمرو بن كلثوم:

(وأيامٍ لنا غرٍ طوال..............عصين الملك فيها أن ندينا) ؛أي أن نخضع وننقاد.

ويُطلق الدين لغةً على معاني متعددة، منها الحكم ومنه قوله تعالى: " ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك " أي في حكم الملك ؛ ومنها الجزاء ومنه قوله عز وجل: " مالك يوم الدين " أي مالك يوم الجزاء، وقوله: " وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذٍ لله * "، وقوله – تبارك وتعالى - : " يومئِذٍ يوفيهم الله دينهم الحق " أي جزاءهم الحق. ويُطلق الدين أيضاً بمعنى العادة ومنه قول الشاعر:

( تقول إذا درأت لها وضيني.......أهذا دينه أبداً وديني ) فالمقصود أهذه عادته أبداً وعادتي.

وذكر أئمة اللغة أن مفهوم الدين لغة يأتي لمعاني متعددة هي من الأضداد، فيُقال: دان إذا قهر، دِنّاهم كما دانوا أي قهرناهم أو غلبناهم ؛ ودانَ إذا ذل؛ ودان إذا أطاع ودانَ إذا عصى؛ فمفهوم الدين في اللغة مفهومٌ مشترك بين معاني متعددة، ولكن القرينة هي التي تبين المعنى المراد وتخصصه.

أما من حيث المفهوم الشرعي والعرفي للدين فهو كما قال بعض العلماء : ( الدين ما شرعه الله تعالى من الأحكام )، وقالوا بأن مفهوم الدين ومفهوم الملة ومفهوم الشرع واحد ولكن اختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات، فبالنظر إلى أن هذا الأمر هو صلة بين العباد وربهم والعباد ينقادون ويخضعون من خلاله لحكم الله عز وجل فهو دين، وبالنظر إلى أن الله تعالى شرَعَه فهو شرع وشريعة بمعنى مشروعة، وبالنظر إلى أن المَلَكَ أملاه على الرسول أو أن الرسول أملاه على الأمة فهو مِلَّة. وعرفه بعضهم بأنه ( وضعٌ إلهي سائقٌ لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود إلى ما هو خيرٌ لهم بالذات )؛ وقولهم وضعٌ إلهي يُخرِج الأوضاع البشرية كلها، فالأنظمة البشرية لا تدخل في هذا وإن كانت أفعال البشر – كما قلت من قبل – مخلوقةً لله سبحانه إلا أن للعباد فيها كسباً فتُضاف إليهم بسبب اكتسابهم إياها، فما يصدر عن عقول البشر وأفهام البشر لا يمكن أن يُسمى ديناً،

٣ / ١٢