الإيمان والإسلام والعلاقة بينهما لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٤فالأنظمة البشرية المختلفة بحسب مقاييس الشرع ليست من الدين في شيء. ( سائقٌ لذوي العقول ) خرج بهذا بقوله ( سائق ) ما لم يكون سائقاً فإن خلق الله تبارك وتعالى للمخلوقات وإن كان في بعضه ما يسوق إلى شيء ولكن في كثيرٍ منه ما لا يسوق إلى شيء مع أنها جميعاً وضعٌ إلهي أي مخلوقاتٌ إلهية، وقوله ( سائقٌ لذوي العقول ) التقييد بذوي العقول يُخرج ما كان سائقاً لذوي العقول وغيرهم كالخوف الذي يسوق الشاة إلى النفار من الذئب والفرار منه؛ وقوله ( السليمة ) هو أمرٌ يخرج ما كان سائقاً لذوي العقول غير السليمة كالشهوة التي تسوق العاقل أحياناً إلى ارتكاب ما لا تُحمد عقباه، والغضب الذي يسوقه إلى فعل ما حرم الله؛ ( باختيارهم المحمود ) لا ريب أن ما كان وضعاً إلهياً سائقاً لذوي العقول السليمة لا يسوق إلا إلى اختيار محمود ولكن ذلك تمهيدٌ لقوله ( إلى ما هو خيرٌ لهم في الذات )، فقد تكون هنالك أشياء هي من الوضع الإلهي وتسوق ذوي العقول السليمة إلى ما هو خيرٌ لهم ولكن لا يكون ذلك الخير ذاتياً كالعلاج الذي ربما كان فيه أذىً للجسم وإرهاقٌ للنفس ولكن هذا الخير ليس هو خيراً ذاتياً وإنما هو خيرٌ بالنظر إلى ما يترتب عليه من اعتدال المزاج وقوة الجسم فيتقوى الإنسان على أداء وظائف الحياة وفي مقدمتها القيام بحقوق الله تبارك وتعالى فيها.
هذا الحد ينطبق على المحدود، وكما عرفتم ( الدين هو وضعٌ إلهي ) فلا يكون الدين خاضعاً لمقاييس البشر لأنه لا ينتج عن أفكارهم ولا عن تجاربهم، فالأفكار البشرية لا يمكن أن تُفرز تظاماً كالدين الإلهي، ذلك لأن العقول البشرية – كما ذكرت لكم من قبل – تتأثر بمؤثراتٍ كثيرةٍ مؤثرات نفسية ومؤثراتٍ اجتماعية؛ هذه المؤثرات تؤدي إلى الاختلاف بين عقلٍ وآخر، فالأوضاع البيئية لها تأثير على العقول البشرية فلذلك تختلف البيئات في الاستحسان والاستقباح، فقد تستحسن بيئةٌ من البيئات ما تستقبحه بيئةٌ أخرى، وقد يكون هذا التفاوت بين الأفراد الذين يعيشون في البيئة الواحدة؛ ومع تعدد مختارات العقول البشرية بحسب اختلافها لا يمكن أن يكون الدين خاضعاً لها. وتجارب البشر لا تفي بالحاجة بحيث يمكن أن تنتج نظاماً يسعد البشر ويصلهم بالله سبحانه وتعالى، لأن في الإنسان جوانب هذه الجوانب لا يمكن أبداً أن يحيط بها إلا الله عز وجل، فالإنسان كما تعلمون مكون من روح وجسم وعقل وقلب وفكر ووجدان وضمير وغرائز؛ ما بين هذه الجوانب كلها تجاذبٌ وتدافع، فلا يمكن مع هذا أن يكون أمر الدين موكولاً إلى أفاهم البشر ومقاييسهم؛ فلذلك أرسل الله سبحانه وتعالى رسله مبشرين ومنذرين لأجل دعوة الناس إلى هذه الصلة بالله سبحانه وهي التي عُبِّر عنها بالدين.
هؤلاء الرسل جميعاً جاءوا بدينٍ واحدٍ وهو دين الإسلام، فليس هنالك تفاوت بين عقائد المرسلين إذ لم يأت أحدٌ من المرسلين داعياً إلى توحيد الله مع كون غيره يدعو إلى التثليث أو التثنية بل كلهم كانوا دعاةً إلى التوحيد، فالله تعالى يقول: " وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون "، ويقول تعالى: " وكذلك بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت "؛ وقد حكى الله تعالى عن جماعة من المرسلين أنهم قالوا لقومهم : " اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره " حكى الله سبحانه وتعالى ذلك عن نوح وهود وصالح وشعيب، وحكى عن المسيح عليه السلام أنه قال : " اعبدوا الله ربي وربكم "؛ فهذا إذن يدلنا على أن جميع المرسلين جاءوا بعقيدة التوحيد، وهو أمرٌ لا غبار عليه إذ يستحيل ويتعذر أن يكون أحدٌ من الرسل يدعو إلى عقيدة تتنافى مع العقيدة التي يدعو إليها الرسول الآخر، فإن العقائد إنما تجسد الحقيقة المتعلقة بوجود الحق تبارك وتعالى وبصلة الوجود الإنساني بالوجود الرباني، فلا يمكن أن يكون هنالك تنافٍ واختلاف ما بين دعوة رسولٍ ودعوة رسولٍ في ذلك؛ نعم يكون هنالك اختلاف في مشروعية كيفية العبادات أحياناً ومشروعية الأحكام التي يرتبط بها الناس في معاملاتهم أو في مطلق حياتهم العملية، وهذا إنما هو بحسب مقتضيات الظروف والأحوال، فالله سبحانه وتعالى يُنزل في كل عصرٍ من العصور من الشرائع والأحكام ما ينسجم مع حياة البشر ويلبي هذه الحاجات. ولذلك جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم تشبيه الرسل ببني العلّات ومعنى ذلك أن الرسل دينهم واحد وشرائعهم متعددة، فدينهم واحد وهو دين الإسلام وشرائعهم متعددة وإن كانت كلها من عند الله سبحانه وتعالى ولكن بحسب اختلاف الظروف واختلاف الأحوال والملابسات التي تكتنف تلكم الرسالات التي بُعث بها المرسلون. وهذا إنما يعود – كما قلت من قبل – إلى أن الدين هو الدينونة المطلقة أي الخضوع المطلق من العبد لله سبحانه وتعالى.
فإذن هذا هو الإسلام وهذا هو الدين، وقد بين الله سبحانه وتعالى اتحاد الدين في رسالاته التي بعث بها المرسلين، فقد قال عز من قائل: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به