الإيمان والإسلام والعلاقة بينهما لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٥إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب "، في هذه الآية ينص الحق تبارك وتعالى على أنه شرع لنا من الدين نفس الدين الذي وصى به نوحا والذي أرسل به الرسل، وصى به النبيين، وصى به موسى وعيسى؛ فإذن الدين واحد، والله تبارك وتعالى يبين لنا أن الرسل والصالحين من أممهم كانوا على هذا الدين الحق وهو دين الإسلام فقد قال عز من قائل في إبراهيم عليه السلام: " ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين "، ويقول تبارك وتعالى : " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين * إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون * "، ترون أن الله تعالى يحكي هنا عن إبراهيم عليه السلام أنه قال له ربه " أسلم "، فأجاب " أسلمت لرب العالمين "، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل هو وصى بهذه الملة بنيه " يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون "؛ " ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب " كل من إبراهيم ويعقوب وصى بنيه بهذه الملة – ملة الإسلام – وعدم العدول عنها؛ ثم يتبع ذلك قوله -عز وجل - : " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون "، والله تبارك وتعالى يقول في التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام وكان يحكم بها النبيون من بني إسرائيل الذين بعثهم الله من أجل تجديد تعاليمها والمحافظة عليها فيقول: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونورٌ يحكم بها النبيون الذين أسلموا "، ثم بجانب هذا يبين لنا أن أهل الكتاب الذين تمسكوا في الكتاب ولم يفرطوا في تعاليم الكتاب مع ما حصل من الزعازع والاضطرابات والتحريفات في الكتاب المنزل، هؤلاء الذين تمسكوا بهذا الكتاب ولم يفرطوا في شيءٍ من تعاليمه يبين لنا الله بأنهم كانوا على ملة الإسلام قبل أن يُنزل القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عندما قال – تبارك وتعالى - : " الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يُتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * "، فالله يحدث عنهم أنهم كانوا يقولون بأنهم كانوا من قبل أن ينزل هذا القرآن مسلمين.
والله تبارك وتعالى يحكي عن موسى عليه السلام أنه كان يدعو قومه إلى الإسلام، فقد حكى الله عنه قوله : " إن كنتم آمنتم بالله فعلى الله توكلوا إن كنتم مسلمين "، وفي نفس الوقت نجد أيضاً نصاً آخر يحكيه الله تعالى عن سحرة فرعون أنهم دعوا الله تبارك وتعالى بأن يميتهم على الإسلام، فقد حكى الله عنهم أنهم قالوا: " ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين "، بل حكى الله تعالى عن فرعون نفسه أنه ادعى الإسلام عندما أدركه الغرق وليس ذلك إلا دليلاً على أن الدعوة التي وجهها موسى الكليم عليه السلام إليه كانت دعوة الإسلام، فالله تعالى يقول: " حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ". وعندما ذكر الله تعالى لوطاً وقومه ذكر أن بيتاً من بيوتهم كان على الإيمان والإسلام، حيث قال عز من قائل : " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيتٍ من المسلمين * ".
هذه الأدلة كلها تدل دلالة ظاهرة على أن دين الله تعالى الذي تعبّد به عباده هو دين الإسلام، لم يتعبدهم بأي دين آخر، وقد أنكر الله عز وجل على أهل الكتاب الذين ادعوا أن إبراهيم ومن بعده من المؤمنين من ذريته كانوا على ملة غير ملة الإسلام بحيث ادعى اليهود بأنهم كانوا على اليهودية وادعى النصارى بأنهم كانوا على النصرانية من خلال ما سمعتموه من الآيات وكذلك جاء هذا الإنكار في قوله تعالى : " أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادةً عنده من الله وما الله بغافلٍ عما تعملون ".
وبهذا يتبين أن ما شاع في ألسنة الناس اليوم وتناقله كثيرٌ من الكتّاب حتى الكتّاب الإسلاميين المتعمقين في تعاليم الإسلام من أن هناك أديانٌ سماويةٌ أمرٌ غير صحيح، فليست هنالك أديانٌ سماوية وإنما هنالك شرائع سماوية، أما الدين السماوي فهو دينٌ واحد دين الله تعالى الإسلام القائم على توحيد الله تعالى وتنزيهه عن الأنداد والأضداد والأشباه والنظائر، الذي يقتضي أن تكون العبادة خالصة لله لا يشرك فيها مع الله أحدا، فليس هنالك تثليث، وليست هنالك تثنية وليس هنالك أعداد، بل يجب أن يكون العبد عبداً لله تبارك وتعالى وحده خاضعاً ذليلاً منقاداً لحكمه مذعناً لطاعته ممتثلاً لأمره متلقياً منه مسلماً له؛ هذا هو الإسلام المطلوب من العباد.