الإيمان والإسلام والعلاقة بينهما لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٦ولئن قيل بأن بعض النصوص تدل على أن هذه الأمة هي أمة الإسلام، فلم يُقال بجانب ذلك أن الصالحين من الأمم السابقة كانوا على الإسلام وأن الرسالات المتقدمة جاءت لتعبِّد الناس لربهم سبحانه وتعالى على منهج الإسلام؟ فالجواب عن هذا: ليس بين هذا وذاك تنافر. كما أن الأمم السابقة التي انقادت لأمر ربها واستجابت لدعوات المرسلين الذين بعثهم الله سبحانه وتعالى وامتثلت حكم الله تبارك وتعالى هي أممٌ مؤمنة لا شك في ذلك، فإن الله تبارك وتعالى نص على إيمان أولئك في كثيرٍ من النصوص القرآنية كما سمعتم قول الحق تبارك وتعالى : " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين " بين سبحانه وتعالى أن أولئك كانوا على الإيمان، كانوا مؤمنين، وكذلك قول الحق تبارك وتعالى حكايةً عن موسى عليه السلام : " إن كنتم آمنتم بالله فعلى الله توكلوا "؛ فالله سبحانه وتعالى حكى عنه أنه يدعوهم إلى الإيمان والتوكل على الله ويستحثهم على هذا التوكل من خلال تذكيرهم بالإيمان، إلى غير ذلك من النصوص. وبجانب هذا أيضاً فإن الله تعالى سمى هذه الأمة " الذين ءامنوا " عندما قال تبارك وتعالى : " إن الذي ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون "؛ أليس الصالحون من الأمم الأخرى كانوا مؤمنين أيضاً؟!! فلماذا خُصَّت هذه الأمة بلقب " الذين ءامنوا "؟!! إنما خصت هنا بلقب " الذين ءامنوا " نظراً لأن الإيمان كان شعاراً لهذه الأمة بسبب أنها مُتَعَبَّدة بأن تؤمن بكل الرسالات السابقة، فالرسالة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم هي مهيمنة على الرسالات السابقة وجامعة لشتاتها، فكل ما آمن به الذين تقدموا يؤمن به المؤمنون من هذه الأمة التي بُعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنما أخذوا بحبل الإيمان من طرفيه وأحاطوا به من قطريه فلذلك لُقِّبوا بالذين ءامنوا. وهكذا عندما يُذكر المسلمون ويُقصد بهم هذه الأمة التي بُعِث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم واستجابت لدعوته وامتثلت أمره وآمنت بما جاء به عليه أفضل الصلاة والسلام فذلك لأن هذه الأمة دخلت الإسلام من أوسع أبوابه، فإن الله تبارك وتعالى جمع في هذه الرسالة التي بُعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تفرّق في رسالات المرسلين من قبل..رسالات المرسلين كلها كانت تدعو إلى عقيدة التوحيد وإلى نبذ جميع مظاهر الوثنية وإلى إخلاص العبادة لله عز وجل وحده، وهي بجانب ذلك تعالج كثيراً من قضايا الناس التي كانت تمثل إشكالاً في عالمهم وحياتهم آنذاك. فقد تناولت كل رسالة من تلك الرسالات جانباً من الجوانب الذي كان يشغل الناس آنذاك، كما جاء في النصوص القرآنية بيان أن رسالة شعيب عليه السلام كانت تعالج مشكلة اقتصادية اجتماعية، ورسالة لوط كانت تعالج مشكلة خلقية اجتماعية وهكذا بقية الرسالات، إلا أن هذا كله اجتمع في هذه الرسالة التي بُعِث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه الأمة حريّة بأن تلقب بلقب " الذين ءامنوا " وأن تلقب بلقب " المسلمين " مع عدم منافاة أن يكون من قبلها مَن صالح الأمم على الإسلام وأن يكون مَن قبلها من صالح الأمم على الإيمان.
هناك سؤالٌ آخر وهو أن الله تبارك وتعالى ذكر أن دين الإسلام هو ملة إبراهيم عليه السلام ونحن نقول بأنه ملة جميع المرسلين كما يدل على ذلك ما ذكرناه من النصوص، فكيف يُقال ملة إبراهيم؟ يتبين لي أن الجواب عن هذا يتجه لاعتبارين:
الاعتبار الأول: أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت كانت تواجه عنت المشركين من حوله وهم قريش ومن كان معهم من مشركي العرب، وتواجه في نفس الوقت عنت أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل وقريش الذين كانوا جُآبة العرب وكان العرب متأثرين بهم جميعاً كانوا ينتسبون من حيث النسب إلى إبراهيم عليه السلام، وكذلك بنو إسرائيل ينتسبون إلى إبراهيم عليه السلام، وما تبقى عند العرب من تعظيم البيت الحرام والمشاعر العظام إنما هو من بقايا دين إبراهيم عليه السلام وإن لوَّثه العرب بما لوثوه به من أرجاس الجاهلية، فكان في تذكيرهم بأن هذا الدين هو دين إبراهيم عليه السلام حفزٌ لهم إلى الاستجابة لدعوته والانضمام إليه.
ومن ناحية أخرى فإن إبراهيم عليه السلام كان أمةً قانتاً لله حنيفاً، إذ كان عليه السلام الموحِّد الوحيد كما قيل في الأرض آنذاك، فقد طغى على الأرض مد الوثنية آنذاك فغرقت الأرض في هذا الطغيان ولم يكن هنالك أحد يوحد الله عز وجل إلا إبراهيم، فبما أنه وحد الله تبارك وتعالى ما بين قومٍ وثنيين، ما بين إنسانيةٍ وثنية، كان جديراً بأن يُقال بأن هذه الملة ملة إبراهيم عليه السلام. وهذا لا ينافي أيضاً أن تكون هذه الملة هي ملة النبيين كما دلت الآيات على أن نوحاً عليه السلام وغيره بعثوا بهذا الدين نفسه " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ". على أن العلماء يقولون بأن