الإيمان والإسلام والعلاقة بينهما أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الإيمان والإسلام والعلاقة بينهما لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٧

مفهوم اللقب لا يُعتد به فكون هذا الدين دين إبراهيم لا يعني أن غيره من النبيين لم يكونوا على هذا الدين، والمفهوم كله لا يعتد به إذا كان ثَمَّ منطوقٌ يعارضه، وقد جاء المنطوق هنا صريحاً يدل على أن الأنبياء كانوا على هذه الملة وكانوا على هذا الدين.

وإذا كان الإسلام – كما قلت – هو الإذعان التام والانقياد لأمر الله سبحانه وتعالى من غير تفريطٍ في أوامره ولا في نواهيه، فإن المسلم الحق هو الذي لا يرضى إلا أن يتلقى عن ربه تبارك وتعالى ولا يرضى أن يحتكم إلا إلى الله عز وجل، وهو الذي يتحرى مرضاة الله تبارك وتعالى في كل دقيقةٍ وجليلةٍ ويحرص على أن تكون أعماله كلها وفق مقتضيات الإسلام، وفق شريعة الله، فلا يعدل عن أمر الله تعالى في شيء، وهو إن زعزعته زعازع الحياة ووقع في شيء من الاضطراب وفي شيء من الميل والانحراف سواءً ما ، رجع إلى خالقه تبارك وتعالى : " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ".

والإسلام ينبني على أركان كما جاء ذلك صريحاً في الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن ابن عمررضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا ً )). ذكر هذه الأركان الخمسة لا ينافي أن تكون جميع الأعمال الصالحة داخلة في مفهوم الإسلام، فإن هذه هي أمهات العبادات، والمحافظة عليها وفق ما أمر الله سبحانه وتعالى تؤدي بطبيعة الحال إلى أن تكون حياة المسلم حياةً ربانية المصدر والمولد، فإن المسلم الذي يلتزم عقيدة الحق ويلتزم بذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان ويحج بيت الله الحرام مع استطاعته السبيل إليه هو مسلم حري بأن تكون حياته حياة تجسد قيم الإسلام وتعاليم الإسلام وفضائل الإسلام وأخلاق الإسلام، فكل ركن من هذه الأركان له أثرٌ كبير في جعل المسلم يستقيم على الطريقة السواء.. يستقيم على الحنيفية الحقة التي بعث الله تبارك وتعالى بها الأنبياء وجاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تبارك وتعالى على أكمل وجوهها.

فالعقيدة الحقة كما تبين لكم من خلال الحديث عن الإيمان هي مصدر كل خير في هذه الحياة، والإنسان الفاقد للعقيدة فاقدٌ لروح الحياة لأنه إن كانت حياة الأجسام مرهونة بوجود الأرواح فإن حياة الأرواح مرهونة بوجود العقيدة، العقيدة الصحيحة الحقة " أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارجٍ منها "؛ وهذه العقيدة جعل الله تبارك وتعالى لها وَقوداً لأن شعلتها قد تخفت أحياناً للمؤثرات الكثيرة التي تؤثر عليها ، ووقود هذه العقيدة هو العبادة الخالصة لله عز وجل؛ هذه العبادة تعطي هذه العقيدة مزيداً من القوة بحيث تتمكن في النفس وإذا تمكنت من النفس هيمنت على نفس الإنسان فكانت أعماله كلها وفق مقتضيات عقيدته وكان في جميع ما يأتيه وما يذره متحرياً لأمر ربه وذلك هو معنى التقوى، فإن كلمة التقوى وإن دلت لغة على الترك والتجنب إلا أن مدلولها الشرعي يشمل الجانبين: جانب الفعل وجانب الترك؛ فالتقوى من حيث المدلول اللغوي كلمةٌ تدل على الاجتناب والترك، ( اتقيت الشيء ) بمعنى تجنبته، لأن ( اتقى ) مطاوعٌ لـ ( وَقَى )، ( وقيته هذا الشيء فاتقاه ) أي جنَّبته فتجنبه؛ والشاعر يقول:

( سقط النصيف ولم تُرِد إسقاطه.......وتناولته واتقتنا باليد ) أي تجنبت رؤيتنا لنا إياها باليد بحيث جعلت يدها حاجزاً بيننا وبينها.

والتقوى من حيث المدلول اللغوي هي بمعنى تجنب سخط الله أو تجنب عقاب الله؛ وتجنب سخط الله وتجنب عقاب الله إنما هو بفعل أوامره وباجتناب نواهيه. ويدل على هذا ما جاء من النصوص القرآنية التي تحدد مفهوم التقوى من خلال وصف المتقين بما وصفهم به القرآن الكريم، فالقرآن يدل على أن المتقين يجمعون ما بين الإيمان الخالص والعمل الصالح ويتجنبون مع ذلك العمل السيء، فالله تبارك وتعالى يقول: " هدىً للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * "، وصف المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب ثم بعد ذلك وصفهم بأنهم يقيمون الصلاة ومما رزقهم الله ينفقون، فهم يحرصون على الأعمال الصالحة التي تُجَنِّبهم سخط الله سبحانه وتعالى. ويقول الله في آية البر : " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون "، الله تبارك وتعالى بين أن هؤلاء هم

٧ / ١٢