الإيمان والإسلام والعلاقة بينهما أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الإيمان والإسلام والعلاقة بينهما لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٨

المتقين، الذين يجمعون ما بين هذه الخصال المحمودة المذكورة هنا التي تقوم أول ما تقوم على العقيدة الصحيحة عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين. ويقول عز من قائل:" قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴿15﴾ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴿16﴾ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴿17﴾"، هؤلاء هم المتقون، ويقول تبارك وتعالى : " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴿133﴾ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴿134﴾ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴿135﴾ " هكذا وصف الله تعالى المتقين هنا.

فإذن نفهم من مدلول التقوى الشرعي أن التقوى شرعاً إلتزام شريعة الله بفعل أوامره وباجتناب نواهيه، فكما أن مدلول التقوى يدل على تجنب ما يؤدي إلى سخط الله كذلك يدل على فعل ما يؤدي إلى رضوان الله تبارك وتعالى.

والحديث عن تأثير هذه الأركان الخمسة في حياة المسلم حتى يكون مجسداً لقيم الإسلام وفضائل الإسلام وقائماً بتكاليف الإسلام متجنباً لكل ما ينافي تعاليم الإسلام هو حديثٌ يأخذ وقتاً طويلاً فلذلك نرجؤه عن وقتنا هذا إلى وقتٍ لاحقٍ إن شاء الله، ونفتح الآن باب السؤال على أن تكون الأسئلة تدور حول نفس حديثنا الذي تحدثنا به الآن.

( يقرأ الأسئلة ويجيب عليها سماحة الشيخ )

السائل يسأل: ما هو المفهوم الصحيح لقوله تعالى الذي ورد فيه لفظة الإيمان والإسلام : " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا "؟

جواب الشيخ:

أنا ذكرت هناك من قبل بأن الإسلام والإيمان من حيث المدلول اللغوي مختلفان، فالإسلام يدل على الاستسلام والانقياد، والإيمان يدل على التصديق، ولكنهما من حيث المدلول الشرعي متحدان فهما يدلان على الالتزام بأوامر الله وعلى اجتناب نواهيه سبحانه وتعالى، ولا إشكال في استعمال القرآن الكريم واستعمال السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام الألفاظ في مدلولاتها اللغوية وإن كانت قد نُقِلت شرعاً إلى مدلولات أخرى، كاستعمال الصوم بمعنى مطلق الإمساك مع أن الشارع نقل لفظ ( الصوم ) إلى صومٍ مخصوص..إلى إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن الأكل والشرب والمفطّرات من لدن طلوع الفجر إلى الليل، ولكن قد يأتي لفظ ( الصوم ) في القرآن الكريم بمعنى مطلق الإمساك، ومنه قول الله تبارك وتعالى حكايةً عن مريم عليها السلام : " إني نذرت للرحمن صوماً ". كذلك كلمة ( الكفر ) هي لغةً بمعنى التغطية، كما يقول الشاعر:

( يعلو طريقة متنها متواتراً........في ليلةٍ كَفَرَ النجومَ غمامُها )

فالكافر هو المُغطي، ولكن بما أن الكافر سواءً كان كفره كفراً ملياً أو كان كفره كفر عمل بحيث كان مرتكباً لكبيرة مصراً عليها فكان كافراً كفر نعمة لا يخرجه كفره من ملة الإسلام بحيث إن هذا الكافر يجاحد أو مغطي للحقيقة فيجحد وجود الله تبارك وتعالى إنما هو مغطٍ للحقيقة؛ والذي يعمل بخلاف أمر الله عز وجل هو أيضاً مغطٍ لنعمة الله التي أنعمها عليه والتي تقتضي منه أن يعمل وفق أمر الله عز وجل بسبب ذلك سُمي أيضاً كافراً حسب المدلول الشرعي لهذه الكلمة. ونجد في كتاب الله إطلاق كلمة ( الكافر) على غير هذا الكفر الشرعي، على من لم يكن كافراً كفراً شرعياً، فالله تبارك وتعالى يقول: " يعجب الكفار نباته "، والمراد بالكفّار الزرّاع لأنهم يكفرون البذر أي يغطونه في الأرض. وكذلك الصلاة نُقلت شرعاً إلى هذه الكيفية المخصوصة التي فيها لجوء العبد إلى ربه سبحانه وتعالى وابتغاء مرضاته، مع أن الصلاة لغةً هي بمعنى الدعاء، فالشاعر يقول:

( تقول بنتي وقد قرّبتُ مرتَحَلاً........يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا

عليك مثل الذي صليتِ فاغتمطي........عيناً فإن لجنب المرء مضطجعا )…

٨ / ١٢