الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٦إن المتتبع للتراث الإباضي يتبين بوضوح أن خوضه في قضايا العقيدة كان من وقت مبكر، وذلك لأن أئمة الإباضية عايشوا أحداث الفتنة الكبرى من قريب، وموقفهم كان واضحا في شأنها وقد كلفهم هذا الموقف كبير عناء في حياتهم وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى أتباعهم عبر التاريخ.
وما كاد يدخل العقد الثاني من النصف الثاني للقرن الأول هـ وبالضبط سنة 64/ 683 حتى اتضح موقفهم من مرتكب الكبيرة على لسان إمامهم عبدالله بن إباض الذي كان يتعاون مع الإمام جابر بن زيد حيث اعتزل موقف القائلين بالخروج المطلق على أساس أن الموحد يجب أن يعامل معاملة خاصة إن ظهرت عليه المعصية، وانطلاقا من هذا الموقف المبكر توسعت النصوص الإباضية في التمييز بين الكفر والشرك وكفر النعمة كما سنوضح ذلك في الباب الثالث من أبواب هذا البحث وهم في هذا يختلفون عن المعتزلة الذين لم يتضح قولهم بالمنزلة بين المنزلتين إلا في أوائل القرن الثاني للهجرة، كما يتميزون عن القائلين بالإرجاء.
أما موقفهم من الإمامة- ويعالج عادة مع القضايا الأصولية وإن كان الى الأصول الاجتماعية أقرب- فقد اتضح من تعيين الإمام عبدالله بن وهب الراسبي بصفة عملية فهو لا ينتمي لآل البيت ولا لقريش وكان انتخابه شورى بين المسلمين الذين عرفهم التاريخ بالمحكمة. هذا قبل خروج جماعة عن مبادئ المحكمة. أما بعد ذلك فرسالة عبدالله بن إباض الى عبد الملك ابن مروان جاءت أحسن دليل على عدم اعترافهم بملك بني أمية الوراثي.
وفي هذا الخضم السياسي العقدي المتموج بدأت تتضح ملامح علم الكلام شيئا فشيئا فلم يكن التراث الإباضي خاليا منها بل يتضح من خلال ما جاء من رسائل وخطب ومناظرات أن الإباضية اعتبروا العمل جزء لا يتجزأ من الإيمان كما تسربت الى حلقات أبي عبيدة والربيع مواقف من بعض الإباضية تتبنى قول المعتزلة في القدر فتصديا لها بقوة وأعلنا البراءة من أصحابها.