البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٩٢

تصوره الوجودي الخاص، وكذا أهل الصين والهند واليونان وحتى أصحاب الرسالات السماوية- أهل الكتاب- يختلف تصورهم في ما بينهم في هذا الشأن.

فماذا قال علم الكلام عامة، وعند الإباضية خاصة في هذه القضية؟

إن هذه القضية- وجود الخالق- لا يمكن أن تحير علماء الكلام المسلمين بأية حال لأننا نعلم كما وضح ابن خلدون(1) ذلك أن المتكلم يختلف عن الفيلسوف اختلافا جوهريا فإن كان الفيلسوف ينطلق من الشك المطلق عسى أن يقترب من اليقين أو يدركه فالمتكلم ينطلق من العقيدة ليبحث عن الأدلة.

وقد ذكر الغزالي عند التدليل على وجود الله تعالى أن في فطرة الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة البرهان(2) كما ذكر الوارجلاني أنه لم يختلف:" اثنان بعد ثبوت الحدث أن له محدثا. ثم يقول: فعلم هذا ضروري … وإنما وقع التشابط والتخابط بين الموحدة والدهرية في حدوث المحدث ولسنا والأشعرية مختلفين في شيء من هذا"(3).

وحتى المعتزلة الذين يعتبرون أن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر لا يشذون عن بقية الفرق، والدليل على ذلك توضيح القاضي عبد الجبار هذه المسألة بما يلي:" إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بمشاهدة"(4).

(1) / ابن خلدون: المقدمة: 836

(2) / أبو حامد الغزالي: الإحياء. مطبعة الشعب د. ت 1/ 183

(3) / أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل 1/ 44

(4) / القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة. تحقيق عبد الكريم عثمان. القاهرة 1384/ 1965: 39.

١٩٢ / ٩١٨