الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤قالوا نتذاكر في الشمس وفي مجراها قال:" ذلكم فافعلوا تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" وزاد فيه الحسن:" إن الله لا تناله الفكرة".(1)
لكن رغم هذا النهي الصريح عن التفكر في الخالق جاءت كتب أصول الدين مفعمة بذلك إلا أن منطلق المتكلمين كان منطلقا دفاعيا للرد على مختلف الفلسفات التي تنفي وجود الخالق أو تتصوره بوجه يختلف عن التصور الإسلامي.
ومنطلقات المتكلمين كانت منبثقة من القرآن إلا أنهم يحاولون صياغة ما جاء فيه من حجج صياغة عقلية برهانية، وقد بينا أن الفكر الإباضي يتنزل في هذا المحيط وقد عالج القضية بنفس المسلك فتأمل أصحابه من وقت مبكر في حقيقة العقل، وحاولوا شيئا فشيئا تحديد مجموعة من المفاهيم صيغت في مصطلحات مثل حقيقة الجوهر والعرض والجسم والشيء والواجب والمستحيل والجائز وما إلى ذلك، ولم تكن المرحلة المقررة للدرس 10، 11، و12 إلا امتداد للقرون السابقة فلم تطل فيها البحوث المتعلقة بإثبات وجود الله تعالى لأن الوسط الذي يعيش فيه الفكر الإباضي لم يعد في حاجة إلى مثل هذه المباحث وإن لم تخل من الإشارة إلى ذلك، وتتمثل هذه الإشارة في دوران الحجج حول دليل واحد وهو افتقار الصنعة إلى الصانع وقصارى القول في هذا المبحث أن حجة السماع هي الأساس لأنها أوسع بكثير من حجة العقل، ولا يمكن أن نلمس لكل هذا بعدا حضاريا طريفا لأن المجتمع الإسلامي آنذاك لم يتفتح بعد على تيار حضاري آخر يدفعه إلى التأمل في القضية من جديد كما حدث ذلك في
(1) / الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/ 17 عدد 827. لم نعثر عليه عند ونسنك. المعجم المفهرس.