البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٦٥

ما بعد عند الالتقاء بالحضارة الغربية في القرن الرابع عشر هجري، فالقضية حينئذ ثابتة، ولا جدال في الإقرار بوجود الله تعالى.

أما في ما يتعلق بذات الله تعالى فقد جاء التراث الإباضي في هذه المرحلة اجترارا وإعادة لما جاء في التراث الإسلامي عامة والإباضي خاصة ويتمثل ذلك في الرد على المجسمة والمشبهة والنصارى واليهود كأن نصف المجتمع من هؤلاء الناس مع العلم أم مثل هذه الأصناف لا وجود لها في البيئة الإباضية وحتى إن وجد بعض اليهود فإنهم منغلقون على أنفسهم لا يدخلون في الجدل مع أحد.

والحقيقة أن محاولة تحديد الذات الإلهية ضرب من الترف الحضاري نرى أن المسلمين في غنى عنه لأن المتكلم يعتقد مسبقا أن العجز عن إدراكه إدراك ولعل المشكل يكمن في صعوبة تطويع اللغة لاستيعاب عالم الغيب ولذلك حاولت هذه المصادر تعريف كلمة الذات تعريفا اصطلاحيا وحيثما دارت هذه التعريفات ترجع إلى حقيقة واحدة وهي أن الله تعالى كما قال عن نفسه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (42 الشورى 11).

لكن مهما يكن من أمر فإن هذا المبحث وإن لم يمكن من ضبط دقيق لمفهوم الذات فإنه لم يخل من تأملات لغوية دقيقة في ما يتعلق باشتقاق كلمة ذات وفي الإلحاح على ضرورة تنزيه تعالى مطلقا مع الانتباه إلى أن العقل مهما نما وتكامل يبقى محدودا وإذا أدرك المفكر هذه الحقيقة حرص على توسيع هذه الحدود.

كما أن مثل هذا المبحث لا يمكن أن نعثر على أثره الحضاري في أوساط عامة الناس لأن هذا ليس من مشاغلهم البتة فالله موجود وكفى. لكن العالم الذي فقه مثل هذه المعاني لا تخلو موعظته من أثر في الناس إن هو علم كيف يلامس بها قلوبهم فيدفعهم إلى الشعور بعظمة الذات الإلهية والحقيقة أننا لم نجد في ما بين أيدينا من تراث في العقيدة محاولة لتطويعه

٢٦٥ / ٩١٨