البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٦٦

لمثل هذا الغرض، بل بقي نصوصا تعليمية يغلب عليها طابع التجريد يتناقلها المتعلمون صاغرا عن كابر.

ولئن كان المبحث المتعلق بالذات العلية يكتسي صبغة تجريدية محضا فإن مبحث أسماء الله تعالى لا يخلو من مثل هذه النزعة لكنه يبدو أقرب إلى الاستيعاب والفهم لأن هذه الأسماء تتردد على ألسنة الناس مئات المرات في اليوم بداية من اسم الجلالة إلى آخر ما استنتج من استعمالات قرآنية بصفة غير مباشرة.

وفعلا فقد حرص علماء الأصول على أن يستكهنوا مفهوم اسم الجلالة فاختلفوا في ذلك اختلافا كبيرا مما جعل المحشي يعبر عن تيه العقول في هذا الشأن ومرجع ذلك ضعف هذه العقول أمام عظمة الله تعالى والملاحظ أن التراث الإباضي لم يتوسع في تحليل انحصار هذا الاسم في حرف الهاء وإن وقعت الإشارة إلى ذلك من وقت مبكر على لسان جابر ابن زيد ومدار القول إن هذا الاسم اعتبر علما تنسب إليه جميع الصفات.

وأثناء التأمل في هذه الأسماء أثيرت قضية جدلية قليلة الجدوى ألا وهي علاقة الاسم بالمسمى وقد بينا أن الخلاف في شأنها داخلي أي بين الإباضية لكن وإن كانت عديمة الجدوى في شأن العقيدة لأن الجدل أفضى إلى أن الخلاف اعتباري بين من يقول إن الاسم هو المسمى وبين من يقول بخلاف ذلك إن الاسم غير المسمى فإن لها بعدا حضاريا واضحا يتمثل في أن الباحث يدرك أن الخلاف الداخلي يكون أشد أثرا في البيئة نفسها مما لو كان الخلاف مع غير الإباضية وقد رأينا كيف رمي القائلون بأن الاسم غير المسمى وبأنها مخلوقة بالإلحاد وهذا أدى إلى تصدع واضح آنذاك خاصة في الجزيرة إذ قد انغلق كل على رايه وهذا كان له أثر واضح في تقلص عدد الإباضية في الجزيرة إذ تخلى القسم الذي اتهم بالإلحاد شيئا فشيئا عن إباضيته وسهل تحويله إلى مذهب آخر بعد حين ونشير إلى الجانب الشرقي من جزيرة جربة الذي تخلى سكانه عن إباضيتهم بصفة نهائية.

٢٦٦ / ٩١٨