البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٦٧

هذا على مستوى الواقع أما على المستوى النظري فأن هذا المبحث دفع علماء الأصول إلى تقصي صيغة وسم أو سما بكل مشتقاتها في القرآن الكريم مع التأمل في جميع استعمالاتها وذلك حرصا على توجيهها لما يوافق الموقف المتنبي وفعلا فقد تفنن الشماخي في ذلك مستعينا بزاده البلاغي واللغوي مما يدل على إلمام علماء هذه المرحلة بالقضايا اللغوية وشغفهم بها.

لكنك بعد أن يأخذك بهرج هذه التحاليل التي تصير ضربا من المعميات أحيانا ترجع من حيث انطلقت إلى حقيقة عبر عنها أصحاب المختصرات بإيجاز كامل وهي: " ليس منا من يقول إن أسماء الله مخلوقة".(1)

و‘ذا استقرت هذه الحقيقة تعود المصادر فتبين أن أسماء الله الحسنى توقيفية في الأصل وإن كان بعضها يجيز استعمال أسماء لم يرد بها التوقيف وذلك حسب المقصد كما نلمس حرصا على تفسير كل هذه الأسماء حسب أسس العقيدة الإباضية ومصادر هذه المرحلة لم تبتكر في ذلك بل أخذت ما جاء عند السلف.

والحقيقة أن هذا الحرص على التفسير له بعيد الأثر في واقع الأمة وهذا ليس خاصا بالإباضية لأن من يدعو الله وهو مدرك لما يقول يتفاعل مع دعائه أكثر مما لا يفقه ما يقول، كما أن مثل هذا الفهم يجعل الإنسان حريصا على أن يتحلى بمعاني هذه الأسماء في مستواها الإنساني طبعا مع الملاحظ أن البيئة الإباضية لم تعرف صورة الأذكار الجماعية بل يغلب عليها طابع الذكر الفردي السري.

ثم إن كتب الأصول تتحول من موضوع الأسماء إلى قضية الصفات وتحرص على أن تميز بين الاسم والصفة لغة واصطلاحا لكن يبقى التمييز

(1) / لم نعثر على نص للنكار يعبر عن رأيهم الذي يوافق رأي المعتزلة.

٢٦٧ / ٩١٨