البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٦٨

ضبابيا نظريا لأن كثيرا من الأسماء هي صفات في نفس الوقت، والمشكلة لا تكمن في التمييز بين الاسم والصفات وإنما تكمن في تعداد الصفات وفي ضبط علاقتها بالذات.

أما بالنسبة إلى التعداد فقد جاءت محاولات متعددة لحشر الصفات ضمن أقسام مختلفة، والمتأمل يلمس أن هذه التقسيمات منهجية استفادت الفرق الإسلامية فيها بعضها من بعض وبعدها الحضاري يتمثل في محاولة الاستيعاب حتى يميز المسلم بين ما يجب أن يوصف به تعالى وما يستحيل في حقه وما يجوز.

وأثناء التقسيم والتحليل ثار الجدل بشدة حول علاقة الصفات بالذات والمصادر الإباضية في هذه المرحلة واصلت المنافحة عما نافح عنه السلف في أن صفات الذات هي عين الذات وإذا علمنا أن الإباضية في هذا الظرف كانوا يعايشون الأشاعرة الذين يعتبرون أن الصفة مغايرة للذات نفهم ما لمسناه في هذه المصادر من حرص على الإلمام بصفات الذات وتحليلها تحليلا تفصيليا بقدر الإمكان لأن الطرف المقابل كثيرا ما يرميهم بالتعطيل كما فعل ذلك مع المعتزلة من قبل والإباضية لا يرون في تحليلهم للقضية تعطيلا وإنما يعتبرونه من باب التنزيه وقد رأينا في تحليل هذه القضية الاستعانة ببعض المصادر الأشعرية التي ترى رأي الإباضية.

والمتأمل في الفكر الاعتزالي والفكر الإباضي في هذا الشأن يدرك بعدهما عن فكرة التعطيل وإنما ألحا على نفي الزيادة والغيرية حتى ينفيا الواسطة عن الله تعالى وإمكانية تصور وجود آخر مع الله تعالى في الأزل كما أن الطرف الآخر الذي يقول بالغيرية أراد بذلك تقريب مفهوم الصفات إلى التصور العقلي.

والحقيقة أنه يصعب أن نلمس بعدا حضاريا دقيقا لتصور الإباضية أن الصفات عين الذات لأن هذا المبحث فكري محض بعيد عن متناول عامة الناس لكن غاية ما هنالك أن مثل هذا التصور يقوم على تنزيه الباري عن

٢٦٨ / ٩١٨