البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٩٩

والرؤية كما يعرفها السالمي هي:" اتصال شعاع الباصرة بالمرئي وانطباع صورة المرئي في الحدقة … ولا يطلقها العرب على العلم ونحوه إلا تجوزا لكنتة مع قرينة، وقال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) (14 إبراهيم 4) "(1).

فواضح إذن من خلال هذين النصين أن الاباضية اعتمدوا على النظريات اليونانية القديمة التي تقول بأن الأبصار يتمثل في انطلاق الشعاع من العين ليتصل بالمرئي ولينعكس على حدقة الرائي.

بينما نعلم أن ابن الهيثم(2) ذهب إلى عكس هذه النظرية وألح على أن القضية بالعكس أي أن الأشعة تنطلق من المبصَر (اسم المفعول) لا من المبصِر (اسم الفاعل).

ومعلوم أن هذه النظرية اليونانية تعزز موقف الاباضية في نفي الرؤية وعدم جوازها عقلا لأنها تفرض المواجهة بين الرائي والمرئي والإحاطة به وهذا مستحيل في حق الله تبارك وتعالى.

ولا نريد أن نطيل في هذا البحث لأننا نعتبر أن إقامة أساس عقائدي على نظرية علمية تحتاج إلى احتراز كبير لأن الحقائق العلمية نسبية ومتطورة وما يعتبر قاعدة اليوم يصير خطأ في المستقبل.

لهذا اكتفينا بهذا التلميح للقضية لأنها وقعت الإشارة إليها ولنتأمل الآن في التطور التاريخي للقضية.

(1) / عبدالله السالمي: المشارق: 186 واخترنا هذا التعريف لأنه أكثر وضوحا من تعريف أحمد الشماخي.

(2) / ابن الهيثم (الحسن) (411/ 1020) من علماء المسلمين اهتم خاصة بعلم المبصرات وتفنن فيه. ر. مصطفى نطيف: الحسن بن الهيثم بحوثه وكشوفه البصرية. القاهرة. 1942.

٢٩٩ / ٩١٨