البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٠١

والناظر في كل هذه النصوص يتبين بوضوح التفاعل الكبير مع مدرسة الاعتزال التي تبني نفس الموقف مع العلم أنه يصعب أن نقرر من الأسبق وإن كان الإمام عبدالله بن إباض أشار إلى القضية من زمن مبكر لكن تبنى النظرية والمنافحة عنها تتداخل فيها الآراء خاصة إذا كان الاتجاه واحدا، ومهما يكن من أمر فالنصوص المتداولة بين الناس(1) تلح على الاعتزال أكثر من الإلحاح على الإباضية وإنما يذكر الإباضية ضمن الخوارج في هذا الشأن لكن هذا يعتبر تقصيرا من هذه النصوص أو غفلة لأنها كتبت بعد أن تجلت مواقف الاباضية صريحة خاصة في الجامع الصحيح للربيع ابن حبيب وقد قامت الدول الإباضية بعد في المشرق والمغرب.

كما يثبت التأمل أن الاختلاف مع الأشاعرة(2) والماتريدية والمشبهة وغيرهم ممن يعتقد أن الله يرى في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط بكيف

(1) / الأشعري: الشهرستاني والبغدادي.

(2) / يقول الغزالي:" العلم بأنه تعالى مع كونه منزها عن الصورة والمقدار، مقدسا عن الجهات والأقطار، مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة دار ولا يرى في الدنيا تصديقا (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة (القار لقوله تعالى: ولقوله تعالى في خطاب موسى عليه (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار (لقوله عز وجل:. (لن تراني (السلام

وليت شعري كيف عرف المعتزل من صفات رب الأرباب ما جهله موسى عليه السلام؟ وكيف سأل موسى عليه السلام الرؤية مع كونها محالا؟ ولعل الجهل بذوي البدع والأهواء من الجهلة الأغبياء أولى من الجهل بالأنبياء صلوات الله عليهم.

" وأما وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو أنه غير مؤد إلى المحال فإن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم فإذا جاز تعلق العلم به وليس في جهة جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة، وكما يجوز أن يرى الله تعالى وليس في مقابلتهم جاز أن يراه الخلق من غير مقابلة، وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن يرى كذلك". الإحياء 1/ 187. ويقول الظاهرية على لسان ابن حزم:" وأن الله تعالى يراه المسلمون يوم القيامة بقوة غير هذه القوة … " المحلى 1/ 34 - 35.

٣٠١ / ٩١٨