الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩الحقيقة أن التراث الإباضي لم يعرف حيرة ذاتية في هذه القضية لأنه تبنى استحالة الرؤية من يومه الأول. لكن ما كانت الفرق الأخرى وهو يتعايش معها صباح مساء أن تسكت عنه إذ ظلت هنا أيضا تحشره في ومرة التراث الذي يقوم على الهوى والبدعة.
وما كان هو ليسكت عن هذه التهمة التي ما زالت تلاحقه منذ أن حشر في زمرة التراث الخارجي كما رأينا. ولهذا لم يكتف هذا التراث بقناعته الذاتية وإنما انبرى يدافع عنها، فالتمس منطلقا علميا خلال النظريات المتعلقة بعلم المبصرا كما التمس غيره منطلقات أخرى لكن رأينا ضحالة هذه المنطلقات وعدم جدواها في البحوث العقائدية لأن الحقائق العلمية نسبية والحقائق العقائدية ثابتة والثابت لا يمكن أن يبنى على النسبي الذي يمكن أن يتحول من موقف إلى آخر مناقض من لحظة إلى أخرى.
لكن في المستوى الحضاري كان يمكن أن تثمر هذه المنطلقات كشوفا فيزيائية معتبرة إلا أن البيئة الإباضية لم تعرف مثل هذه الكشوف.
كما أن هذا التراث الإسلامي بطرفيه المؤازرة لإمكانية الرؤية والمعارض لهذه الامكانية حاول أن يدلي بحجج عقلية تؤازر هذا الموقف أو ذاك والإباضية في هذا تعايشوا مع الفكر الاعتزالي وأخذوا منه الكثير لكن دون أن يذوبوا في خضمه إذ لم يصلوا إلى تقديم العقل على النقل كما يفعل المعتزلة بل اعتبروا أن حجة الله هي السماع في الدرجة الأولى وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى الفكر الشيعي. أما الأشاعرة وإن حاولوا البعد عن الفكر الاعتزالي فقد اضطروا إلى أن يتبنوا منهجه العقلي للدفاع عن مواقفهم ولنشأة الأشعري الاعتزالية أثر كبير في تفكيره وإن أقر لنفسه رأيا خاصا خالف به شيوخه والمدرسة التي نشأ فيها. ومهما يكن من أمر فقد اعترف كل من الإباضية والأشاعرة والماتريدية أن الحجة العقلية مهما ارتقت تبقى هزيلة في موضوع الرؤية وذلك يفهم عقلا لأن البصر في هذه القضية وهو طاقة محدودة يريد أن يبصر الله تعالى الذي يتفق المسلمون على أنه لا يمكن أن يحد.