البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤٠

وغاية ما نقول في البعد الحضاري لهذا الاحتجاج العقلي أنه خرج في مرحلته الأخيرة من مستوى المعقول إلى مستوى اللامعقول، وذلك بتصور حاسة سادسة أو إدراك آخر أو أن تكون الرؤية بلا كيف والحقيقة أن التراث الإباضي اتخذ هذه الحلول منطلقا للسخرية من الطرف الآخر كما فعل المعتزلة ومهما قلنا في هذا الشأن يبقى التصور العقلي المجرد الذي ينطلق من منطلق تنزيه الله تعالى وعظمته أقرب الى استحالة الرؤية منه إلى إمكانها.

والمحاورات المبثوثة في التراث الإباضي بين بعض الناس، واستفسار بعض العلماء في حلقات عامة للإحراج تدل على أن الموضوع يسترعي انتباه الناس فيحاول كل طرف أن يدعم موقفه وفعلا فإذا وجهت التهم للإباضية قل أن تنسى قضية الرؤية على أساس أنها حرمان من لذة في الجنة لا مثيل لها، لكن هذا ليس من منطلق عقلي وإنما من منطلق نقلي فماذا عن الاحتجاج النقلي؟

إن منطلق هذا الاحتجاج نصوص قرآنية من المتشابه على أساس ألفاظها أو على أساس مبناها تجاذبها المثبتون للرؤية والنفاة لها كل حسب موقفه. منها الحيرة تجاه رؤية الرسول عليه السلام ربه عند سدرة المنتهى والحقيقة أن النص يصعب أن يفك سره بتحكيم العقل فحسب ولذلك استند كل على نصوص من الحديث والإباضية سندهم في هذا عائشة التي اعتبرت أن ممن يدعي أن الرسول عليه السلام قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.

وإذا كانت الرؤية لم تتم للرسول عليه السلام فمن باب أولى أن ينفيها الإباضية عن بقية الناس في الحياة الدنيا.

ويدخل ضمن هذه القضية طلب موسى عليه السلام من ربه الرؤية وهذا الطلب قد انطلق منه الأشاعرة على أساس أن النبي لا يمكن أن يطلب أمرا مستحيلا وهو معصوم وقد أطالوا في هذا البحث واعتبروا أن هذه الآية من أقوى الحجج النقلية على ثبوت الرؤية لكن الاباضية ومن وافقهم اعتبروا

٣٤٠ / ٩١٨