البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤١

أن توبة موسى بعد أن صعق أقوى دليل على انه أخطأ في حق ربه.

والملاحظ هنا أن الطرفين يقيمان الحجج على التأويل والاستنباط رغم نفور الأشاعرة من التأويل. والذي يلفت انتباهنا من الناحية الحضارية هنا هو حرص كل من الطرفين على تتبع هذه الآية حسب تقسيم منهجي متكامل يترابط بعضه ببعض وهذا مكننا من حصر القضية في محاور محددة بدقة من بداية التحليل.

وإن كانت قضية موسى هذه أثرت الفكر البلاغي أيما إثراء فإن قضية النظر لم تخل من مثل هذا المدد فالنظر عند طرف لا يكون إلا بالبصر والنظر عند الطرف الآخر إذا تعدى بإلى لا يمكن أن يفيد إلا الانتظار وكذلك في شأن التقابل التركيبي الذي يقوم عليه سياق الآية لكن ماذا عن صدى هذا في أوساط الأمة؟ لا شيء في ما نعلم وأنى للناس أن يرتقوا إلى أن " إلى" تكون بمعنى نعمة ويصير لها محل في الإعراب وإنما تهمهم النتيجة وهي في الحقيقة معروفة من البداية من موقف المتكلم ومذهبه الفكري.

وإن كان الفكر الذي يجيز الرؤية يعتمد على طلب موسى فإن الفكر الذي يحيلها ينطلق خاصة من (لا تدركه الأبصار) ليعتبر النفي أبديا مع ما يدعمه من (لن تراني) في السياق الآخر ومع اعتبار أن نفي الرؤية من مدائح الله التي لا تكون مدائح إلا بدوامها في الدنيا والآخرة وينتهي الجدل من حيث بدأ فيتمسك كل برأيه ولولا هذا الجدل لاكتفى الناس بأول تفسير للقرآن ولما نمت المدرسة القرآنية مثل هذا النمو والملاحظ أن مراكز الاهتمام في كل السور عند المفسرين تتمثل في ما جاء متشابها وله مساس بالعقيدة أو ما جاء في باب الأحكام من آيات تمس العبادات والمعاملات.

والملاحظ أيضا أن اعتماد المفسرين على التأويل أثر تأثيرا واضحا في علم البلاغة ومعلوم أن الزمخشري قد اعتبر من أئمة العربية والاباضية

٣٤١ / ٩١٨