الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٨٤فتحكي الخبر الصادق فيكون كاذبا، والخبر الكاذب فيكون صادقا، والمدح ذما، والذم مدحا، والقرآن شعرا، والشعر قرآنا إلى غير ذلك من الأشياء المتناقضة لتجويز المخالفة بين الحكاية والمحكي فلا ينبغي أن يكذب بخبر ولا مخبر، ولا تنكر حكاية ولا مقالة فعلى هذا كيف يكون الصدق صدقا والكذب كذبا، بل يكون الصدق كذبا والكذب صدقا فهذا هو الحال ولا يقول به عاقل فضلا عن فاضل فلما بطل هذا صح أن الحكاية لا تكون خلاف المحكي فإن كانت الحكاية مخلوقة محدثة مجعولة في سائر أوصافها مما ثبت بتلك الأدلة(1) فالمحكي أيضا كذلك.
وأيضا إن كانت الحكاية غير المحكي فما هو القرآن الحكاية أم المحكي؟
فإن كان القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم هو هذه الحكاية فهو إذن مخلوق إذ هو محل النزاع وهو الذي قال الله (فيه) (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) (75 القيامة 18)، وقال (نزل به الروح الأمين على قلبك) (26 الشعراء 193).
وإن كان القرآن هو المحكي القائم بذاته تعالى وهو لم ينزل فقد ظاهوا بقولهم هذا قول من قال (ما أنزل الله على بشر من شيء) (6 الأنعام 91) وهذا مخالف للإجماع …
وأيضا لو كانت الحكاية غير المحكي لكان النبي قد أتى بخلاف ما أتى به جبريل وما أتى جبريل خلاف ما نقله عن مكائيل، وما أتى به مكائيل خلاف ما نقله إسرافيل، فيكون كل واحد منهم أتى بخلاف ما أتى به غيره وإلا فكيف يجوز في الشيء مالا يجوز في مثله، وهل هذا إلا تجاهل.
(1) / انظر ما سبق: 356.