البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤١٠

بقرية عم فيها الوباء، وكيف فر عمر اجتنابها فانتقد انه فار من قضاء الله فأجاب: فررنا من قدر الله إلى قدر الله.(1)

ثم تنطلق الفتنة الكبرى بقتل عثمان وتبدأ المعارك الدامية بين المسلمين فتطوع كل طائفة النصوص لوجهة نظرها وتذكر المصادر خبرا طريفا يصور حيرة الناس في التوفيق بين الإيمان بالقدر والحصول على الثواب.

روي عن الاصبع بن نباتة أنه قال: لما رجع علي بن أبي طالب من صفين قام له شيخ فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن سيرنا إلى الشام أهو بقضاء وقدر، فقال علي: والذي خلق الجنة وبرأ النسمة ما وطئنا موطنا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء وقدر، فقال الشيخ: أحتسب عنائي فلا أرى من الأجر شيئا، فقال له علي: بل أيها الشيخ لقد عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفي مصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين.

فقال الشيخ: كيف لم نكن مضطرين والقضاء والقدر ساقنا وعنهما كان مسيرنا وانصرفنا، فقال علي: ويلك أيها الشيخ لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما لو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد

(1) وللرسول عليه السلام موقف يمكن أن يقاس عليه موقف عمر وهو أنه كان إذا مر بهدف مائل أسرع المشي فقيل: يا رسول الله أتفر من قضاء الله؟ قال: أفر من قضاء الله وقدره. ر. المحشي: حاشية الترتيب 1/ 118 وقال في هذا الحديث إشارة إلى اخذ الحذر. ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/ 424.

ويقول الغزالي في ذلك: … فلذلك أمسك عمر لما سئل عن القدر فقال للسائل: بحر عميق لا تلجه، ولما كرر السؤال قالك طريق مظلم لا تسلكه ولما كرر ثالثا قال:" سر الله قد خفي عليك فلا تفشه". كتاب الأربعين في أصول الدين:11 والملاحظ أن ذكر مثل هذه المواقف يجب أن يستفاد منها بحذر.

٤١٠ / ٩١٨