البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٤٤

ممدوحين على معاصيهم وبذلك يتحتم نسبة ذلك إلى الله تعالى فهو الذي جعل الأفعال عاجزة محتاجة ملازمة للفناء مستحيلا عنها البقاء وجعلها محدثة غير قديمة كائنة بعد أن لم تكن، وجعلها دالة على قدم محدث جميع ذلك وثبوت ربوبيته ووحدانيته(1).

3 - رد ادعاء الشركة في الفعل بين الله والإنسان:

وتعتبر هذه الحجة أقوى حجج القدرية إذ ما دام الفعل لله وللعبد وهو لا يتجزأ فهو شركة بينهما والشركة عن الله منفية.

ويمهد أبو عمار للرد بالتمييز بين الشركة الحقيقية والمجازية، فالشركة الحقيقية كاشتراك رجلين في مال تجارة على قدر النسب والمجازية كتعاون رجلين على عمل ما. وفي كلا الحالين لا يجوز أن يقال إن الله شاركهما، وإن كان المال ملك الله (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (24 النور 33) في الأولى، وكان الله قواهما على التعاون في الثانية، وذلك لاختلاف جهات الإضافة في الفعل ومعانيه.

فسبيل خلق الله لفعل كسبيل ملك الله المال وتقويته للرجلين.

وسبيل اختيار العبد لفعله واكتسابه كسبيل المشتركين في المال والمتعاونين على عمل.

فالمهم حينئذ أن أبا عمار يعتبر أن هذه المسألة التي يعتد بها المعتزلة " هي عند المبتدءين من أهل الإثبات المثبتين للقدر مسألة ساقطة ومعارضة واهية فضلا عن حذاق متكلميهم"(2).

(1) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/ 27 - 28.

(2) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/ 48: والسبب في الخلاف هو اختلاف منطلق البحث فالمعتزلة يعتبرون أن الفعل لا يتجزأ ولا يمكن أن يكون له إلا جهة واحدة، بينما يعتبر الإباضية كما رأينا أن للفعل عدة جهات. انظر تحليلا للقضية نفسها عند البرادي: فيذكر مثال البناء، ففعله في الترصيف، والحجارة والطين من خلق الله تعالى فلا شركة. ر. سالم العدالي، حياته وآثاره: 321 - 325.

٤٤٤ / ٩١٨