الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٧ثم يتدرج بهذا التحليل إلى اعتبار أن مثل هذا التصور دفع الملحدين إلى أن يعيبوا على ضعفه الأمة فعملوا على السعي إلى إبطال التوحيد والأمر والنهي(1).
2 - حجة المشيئة(2)
يعتبر الجبرية أن مشيئة الله وعلمه لا يبقيان معنى للكسب والاختيار فيجيب أبو عمار" الذي سألتمونا عنه من هذا أنه ليس في قولنا الله شاء لجميع ما يكون من الخلق عمل العباد وغيره، وأنه عالم بجميع ذلك وليس شيء بخارج من علمه، ولا مجاوز لإرادته ومشيئته مما يوجب أن يكون الله مكرها للعالمين على أعمالهم ولا جابرا لهم على ما يكون منهم من اختيارهم كما أنا وإياكم جميعا نقول: إن الله عالم بجميع ما يحدثه في خلقه ومريد لما يقدره عليهم، ولا يكون من ذلك إلا ما علم وأورد وليس في ذلك أيضا ما يوجب أن يكون الله جل جلاله مجبورا على أفعاله في خلقه، ولا مضطرا عليها إذا كان لا يجاوز شيء من ذلك علمه ولا إرادته وليس العلم والإرادة باللذين يجبران أحدا على فعل ما فعل ولا بمانعين له عن فعل ما لم يفعل(3) ".
بهذا نتبين أن الفكر الاباضي يميز بين المشيئة وبين الجبر تمييزا قطعيا وبهذا يترك المجال للاختيار البشري لتتجلى الحكمة من الأمر والنهي والثواب والعقاب وبذلك يتميز فعل الاختيار عن حركات الاضطرار.
(1) وهذا ما أشرنا إليه من قبل من الشبهات التي يثيرها كثير من أهل الفلسفة حول الإسلام معتبرين القضاء بمثابة ما جاء في قول القائل: (البسيط)
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
(2) انظر ما سبق: 432 وقد كان المنطلق نقليا وخلصت النصوص إلى التمييز بين مشيئتين.
(3) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/ 85.