الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٢الطبيعة ذاك أن المجبول بهذا المعنى ينتقل من الحب الى البغض أما فعل الطبيعة فلا تغير فيه فالثلج لن يتحول عن البرودة إلى ضدها من الحرارة أبدا كما أن الجبل الطبيعي لا يجري عليه ذم ولا مدح فلا يقال للأبيض لم كنت أبيض؟
ومشائخ جبل نفوسة يحتجون بكل هذه الأدلة على أصحابهم من أهل المغرب(1) الذين يقولون بالاختيار ويعتبرون أن موقفهم أفضل لورود ذكره في القرآن والسنة كما ذكر بينما الاختيار لم يرد ذكره لا في القرآن ولا في السنة وإنما قال تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة من أمرهم) (28 القصص 68)(2).
والناظر في حجج مشائخ أهل المغرب يتبين أنها الحجج التي يستدل بها على الكسب إذ لا يذهب هؤلاء إلى نفي الفعل عن الله تعالى كما يقول المعتزلة.
فواضح من هذا التحليل أن الخلاف بين الطرفين يتمثل في نسبة الاقتراب من الجبر والاختيار إذ نحس أن منزلة القائلين بالجبل أقرب الى الجبر وإن لم يقل أصحابها به بينما منزلة القائلين بالاختيار أقرب الى موقف المعتزلة وإن لم تصل إلى درجتهم في تخصيص العبد بالفعل، والموقف الذي سيغلب على الفكر الإباضي هو موقف مشائخ أهل المغرب كما اتضحت معالمه عند أبي خزر الذي أشرنا إليه من قبل(3)
تحليل مفهوم الكسب
وقبل أن يزيد موقف الكسب توضيحا يحسن أن نشير إلى ظهور موقفين جديدين يتماشيان مع ما أشرنا إليه عند الاباضية من توسط وهما رأي
(1) يقصد الجنوب التونسي ومنطقة الجريد وأريغ ببلاد الجزائر التي تقابل تقرت حاليا.
(2) ر. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية ورقة 134و 135.
(3) انظر ما سبق 449