الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٣الأشعري والماتريدي وهذان الرأيان تبلورا في ما بعد في المدرستين الأشعرية والماتريدية.
أما الأشعري" فالكسب عنده ينتهي إلى أن للعبد إرادة وقدرة حادثة فإذا توجهت إرادة العبد نحو عمل ما خلق الله قدرة العبد وخلق معها الفعل، فقدرة العبد مهمتها كسب الفعل وقدرة الله مهمتها خلق الفعل وهكذا فإن الإنسان قد منحه الله قدرة كاسبة ليس لها تأثير في خلق الفعل وإنما يفيض الله عليها هذه القدرة الحادثة فتكتسب الفعل بقدرة الله وهذا القصد أو الجزم هو مناط التكليف والثواب والعقاب"(1)
وبما أن هذه القدرة لا أثر لها في إيجاد الفعل فإن عنصر الاختيار ينتفي وبعبارة أخرى فإن كان الكسب نفسه مخلوقا لله تعالى مثل الفعل نفسه فذلك يؤدي حتما إلى الجبر ولهذا صار كسب الأشعري مضرب المثال في الخلفاء فيقال: أخفى من كسب الأشعري ومهما يكن من أمر يبقى الفرق بين الخلق والكسب في أن الخلق يحيط بالمخلوق من كل وجه بينما الكسب لا يفرض إحاطة الكاسب بالمكسوب من كل وجه.(2)
أما الماتريدي فهو أيضا قد قال بالكسب ومن ذلك ما جاء في كتاب
(1) بلقاسم بن حسن: آراء الماتريدي الكلامية: 303 - 304.ر. البيجوري: شرح جوهرة التوحيد: 104. والظاهر أنه يغلب مفهوم الجبر ومن ذلك يقول: " وبالجملة فليس للعبد تأثير ما فهو مجبور باطنا ومختار ظاهرا، فإن قيل إذا كان مجبورا باطنا فلا معنى للاختيار الظاهري لأن الله قد علم وقوع الفعل ولا بد، وخلق في العبد القدرة عليه. وأجيب بأنه تعالى لا يسأل عما يفعل. ولذلك قال سيدي إبراهيم الدسوقي:" من نظر للخلق بعين الحقيقةعذرهم، ومن نظر لهم بعين الشريعة مقتهم فالعبد مجبور في صورة مختار". شرح جوهرة التوحيد: 105.ر. الغزالي: كتاب الأربعين: 13: وقد رجح التوسط بين الجبر والاختيار.
(2) ر. حمودة غرابة: الأشعري (أبو الحسن) مكتبة الخانجي القاهرة 1953: 115.