الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٤التوحيد:" وليس في إضافتنا (الأفعال) لله سبحانه نفي لمشاركة الإنسان بل هي لله خلقا وإيجادا وللإنسان كسبا واختيارا"(1).
ويرى الماتريدي أن المؤثر في أصل الفعل قدرته تعالى، وفي وصفه قدرة العبد فإذا ضرب زيد يتيما تأديبا أو ظلما فأصل الفعل وهو الحركة المشتركة بين الضربين مخلوق بقدرته تعالى، وكون الضرب طاعة وحسنا في الأول ومعصية وقبحا في الثاني حاصل بتأثير قدرة العبد وهذا التأثير يسميه الماتريدية الاختيار وسماه أحيانا الكسب(2).
والمقارنة بين الكسبين تثبت أن نسبة الاختيار أوسع عند الماتريدي.
ومعلوم أن تحليل المدرستين للكسب بلور هذا المفهوم عبر الزمن(3) وليس لنا أن نتوسع في ذلك لكن قد نشير إلى مواقف بعض الأعلام من المدرستين خلال تفاعلها مع الفكر الاباضي وتجدر الملاحظة أن التعايش الفكري ظل واضحا بين هاتين المدرستين والفكر الاباضي على خلاف ما كان بينه وبينهما من تنافر في قضية الذات والصفات وقضية خلق القرآن.(4)
(1) أبو منصور الماتريدي: كتاب التوحيد:39.
(2) ر. أبو منصور الماتريدي: كتاب التوحيد: 228 - 257.ر. بلقاسم بن حسن: آراء الماتريدي الكلامية: 303.
(3) cf. Gimaret. Theories de I acte humain en theologie musulmane، ParisVrin ، 1980. p61 - 234، 361
(4) انظر ما سبق:240 و 354و 364
ملاحظة:
ويحسن أن نشير هنا إلى ما جاء عند الشيعة والمعتزلة: أما عن الشيعة فينسب المحشي إلى جعفر الصادق ما يلي: … أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض (حاشية الترتيب 1/ 117، ر. محمد علي ناصر الجعفري: أصول الدين الإسلامي: 40)
وهؤلاء يقولون بالمنزلة بين المنزلتين (يختلف المصطلح عن الاستعمال الاعتزالي) ولهم في ثلاثة تفاسير:
1 - أن للفعل الصادر عن إرادة العبد سببين بعيدا وقريبا، فالبعيد إرادة الله والقريب إرادة العبد، فبالنظر إلى السبب القريب لا جبر، وبالنظر إلى السبب البعيد لا تفويض، فالأشاعرة قصروا نظرهم على السبب البعيد فقالوا بالجبر والمعتزلة قصروا نظرهم على السبب القريب فقالوا بالتفويض.
2 - إن الفعل باعتبار صدوره عن إرادة العبد لا جبر عليه، وباعتبار تأثير إرادة الله فيه تكوينا، إذ هو خالق العبد وإرادته، وإن كان الجزء الأخير للسبب الكافي إرادة العبد فهو الله فلا تفويض فيه.
3 - إن الفعل باعتبار صدوره عن إرادة العبد لا جبر عليه، وباعتبار إن الله أقدره على ذلك فهو لله فلا تفويض فيه". محمد علي ناصر الجعفري: أصول الدين الإسلامي: 41.
أما المعتزلة فلا يقولون بالكسب ولكنهم يفسرون اللفظة تفسيرهم الخاص وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار:" كل فعل يستجلب به نفع أو يستجلب به ضرر يدلك على ذلك هو أن العرب إذا اعتقدوا في فعل أنه يستجلب به نفع أو يستدفع به ضرر سموه كسبا ولهذا سموا هذه الحرف مكاسب والمحترف بها كاسبا والجوارح من الطير كواسب" شرح الأصول الخمسة: 363 - 364.