البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٧٣

قوتهم بترك القبول لما دعاهم إليه، وكذلك " لا يبصرون" على معنى لا يفعلونه، فوصفهم الله أنهم لا يستطيعون فقلنا كما قال الله عز وجل إنهم لا يستطيعون لا لزمانه حلت بهم ولا لمانع من الفعل، وقال الله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا) (17 الاسراء94) فكان قولهم الذي هو فعلهم هو المانع لهم. وأجاز الناس بينهم، وهو قول الرجل ما أستطيع أن أنظر إليك لبغضه له، فكان بغضه مشغلا له شاغلا من استعمال النظر إليه وهذا بين واضح أن يكون من أحد في فعل شيء أنه غير مستطيع لضده لإشغاله قوته بما قصد إليه وفعله لا لزمانه ولا لمنع من الفعل"(1).

تلك هي أبرز الأدلة التي يعتمدها الاباضية في الرد على المعتزلة ليؤكدوا أن الاستطاعة مع الفعل … وهم إلى جانب هذا يردون قول الجبرية الذين يعتبرون أن الاستطاعة هي المستطيع أو هي الآلات والجوارح. ويقول تبغورين في هذا الصدد ما يلي:" ومن زعم أن الاستطاعة هي المستطيع أو هي الآلات والجوارح أو غير ذلك ففي إثبات الأعراض(2) ما يبطل قولهم، ويدخل عليهم ما ذكرنا من البالغ في أول أحوال بلوغه لا يخلو من أن يكون آخذا أو تاركا، أو متحركا أو ساكنا، كما قلنا في صدر الكتاب فأيما قالوا من ذلك ألزمهم أن تكون إرادته واستطاعته معه إلا أن يأتوا بمحال لا يفهم ولا يعقل …

والجسم عندنا وعندهم لا يخلو من حركة أو سكون باكتساب أو ضرورة وما كان باكتساب فباستطاعته وإرادة وما كان باضطرار فبزمانه

(1) أبو خرز يغلا بن زلتاف: الرد على جميع المخالفين: 51 وهذا يفسر كيف أن الكفر يشغل الكافر عن استطاعة الإيمان، وأن الإيمان يشغل المؤمن عن استطاعة الكفر.

(2) لتعريف العرض انظر ما سبق: 280 تعليق 57

٤٧٣ / ٩١٨