البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٨٠

ويثبت هذا التراث ألا اعتداد بقول المعتزلة إن من مات مظلوما مات قبل أجله.

ويثبت عبدالله السالمي في النهاية أن القضية ليست من المسائل الدينية (الأصولية التي يفسق بها من خالف فيها(1).

وبعد عرض هذه القضايا المتعلقة بالقدر(2) لم يبق إلا أن نقف عند البعد الحضاري لهذه القضية:

إن لقضية القدر طرفين يتوغل أحدهما في عالم الغيب مع علم الله وقدرته وإرادته ويمتد الطرف الثاني في عالم الشهادة حيث تتم حركات جميع المخلوقات وسكناتها بما في ذلك الإنسان ويبدو أكثرها تعقيدا.

والمتأمل في تاريخ البشرية يحس أن القضية انطلقت مع خلق الإنسان واستكبار إبليس عن السجود لآدم، وما أن هبط الجميع إلى الأرض بعضهم لبعض عدو حتى ظلوا يتجاذبون طرفي حبل القضاء والقدر، ولا تكاد تخلو حضارة من إثارة هذه القضية سواء كانت وثنية أو قائمة على الوحي المنزل من السماء.

وفي محيط عرف الخوض في هذه القضية انتشرت الحضارة الإسلامية بين العرب الذين كانوا يقولون بالجبر وبين اليهود والنصارى ثم المجوس والهنود، وكان التفاعل وكان الأخذ والعطاء والقبول والرفض.

ومعلوم أن منطلق هذه الحضارة الوحي القرآني والنبوي وقد جاءا طافحين بتوضيح هذه القضية وجعلاها أسا من الأسس التي لا يتم الإيمان إلا بها،

(1) ر. عبد الله السالمي: المشارق:267

(2) وقد وقفنا عندها بشيء من الاختصار لاستيفاء المعنى لأن كل قضية منها يمكن أن تفرد ببحث موسع.

٤٨٠ / ٩١٨